الصفحة 149 من 186

أوصي بمالي كله؟ قال: «لا» فبالثلثين؟ قال: «لا» قال فبالنصف؟ قال: «لا» قال: «فبالثلث» قال: «الثلث والثلث كثير» [1] وقوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله تصدق عليكم بثلث مالكم عند مماتكم» [2] فالباقي حق خاص للورثة ومن ملك حقًا ملك التنازل عنه ولذلك فإن إجازتهم للوصية لأجنبي فيما زاد عن الثلث هو التنازل عن حقهم في هذا الزائد، وأما الأصل في عدم جواز الوصية للوارث فهو ما روى عن أبي أمامه الباهلي قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث» وهذا يدل على أنه حق للورثة فلهم أن يجيزوا واحتج المعارضون [رواية لأحمد وقول للشافعي] بظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا وصية لوارث» [3] فهذا يدل بظاهره على بطلان الوصية وكذلك حديث سعد بن أبي وقاص في مقدار الوصية يدل بظاهره على أن ما زاد على الثلث باطل والأصح - في نظري - هو رأي الجمهور لأن الرسول صلى الله عليه وسلام عندما نهى عن الوصية للوارث وعن الزيادة على الثلث في الوصية لأجنبي إنما كان هذا لحق الورثة بلا خلاف وصاحب الحق الخاص يملك - ولا ريب - التنازل عنه لمن يشاء وقد روى الخبر (لا وصية لوارث) وفيه (إلا أن يجيز الورثة) واحتج ابن قدامة بهذه الزيادة قائلًا: [والاستثناء من النفي إثبات فيكون ذلك دليلًا على صحة الوصية عند الإجازة ولو خلا من الاستثناء كان معناه لا وصية نافذة أو لازمة أو ما أشبه هذا أو يقدر فيه ولا وصية لوارث عند عدم الإجازة من غيره من الورثة] [4] وهذا الذي ذكره ابن قدامة استدلال صحيح وقوى ولذلك فإني أرجح هنا رأي الجمهور.

وإذا كان المريض مرض الموت له دائنون فديونهم مقدمة على الوصية [5] وعلى حق

(1) أخرجه البخاري ومسلم: البخاري كتاب الوصايا البابين 2، 3، ومسلم كتاب الوصية الأحاديث 5، 7، 8، 10.

(2) سنن ابن ماجه كتاب الوصايا باب/5، مسند أحمد حـ 6/ 441.

(3) أخرجه ابن ماجه كتاب الوصايا باب ما جاء في الوصية للوارث، وذكر في جامع الأصول أن إسناده صحيح 11/ 633، وأخرجه الترمذي عن عمر بن خارجة وقال: حسن صحيح (في الوصايا باب ما جاء لا وصية لوارث) .

(4) نقلًا عن المغني لابن قدامة 6/ 6.

(5) روى عن علي رضي الله عنه: [أن رسول الله صلى الله عليه وسم قضى بالدين قبل الوصية وأنتم تقرؤون الوصية قبل الدين] أخرجه الترمذي في الوصايا باب ما جاء يبدأ بالدين قبل الوصية، وإسناده ضعيف ولكن حكمه مجمع عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت