الصفحة 157 من 186

وفي رأيي أن هذا القياس من الحنفية ظاهر الخطأ لأن الهازل يعبث وقد بين الشارع أنه لا يجوز العبث في هذه العقود الخمسة لأهميتها ولذلك فإن عدم الرضا هنا لم يؤثر على صحة العقد عقوبة للعاقد نفسه لعبثه، وأما العاقد المكره فهو برئ تمامًا من العبث فلا يجوز قياسه على الهازل، وهو حقًا لم يرض بعبارته وإن كان قد اختارها طبقًا لأصل الحنفية في التفرقة بين الاختيار والرضا وكان يتعين عليهم طبقًا لأصولهم أن يعتبروا طلاق المكره فاسدًا على الأقل لفوات الرضا ولا يجوز لهم أن يقيسوه على الهازل لأن الهازل هو الذي فعل بعبارته هذا العبث وأما المكره فهو معذور لأن الغير هو الذي أرغمه على اختيار عبارة لا يرضاها طبقًا لاصطلاح الحنفية.

وعلى خلاف الحنفية ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى إبطال عقد المكره وقد اعتمدوا في هذا على دليل قوى لا سبيل إلى دحضه وهو الحديث الذي أخرجه ابن ماجه في سننه بعدة طرق الأولى منها هي: ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» [1] فهذا الحديث الصحيح حجة على الحنفية في كل ما ذهبوا إليه من تصحيح العقود مع الإكراه، ولا اجتهاد مع النص، واجتهاد الحنفية غير صحيح كما قدمت وهو مبني على قياس فاسد بالنسبة إلى النكاح ونحوه وهو قياس الإكراه على الهزل بالنسبة إلى العقود التي لا يؤثر فيها الهزل.

92 -الخطأ والنسيان:

اتفق المالكية والشافعية والحنابلة [2] على أنه إذا وجدت قرينة تدل على الخطأ أو النسيان فإن عبارة العاقد لا تكون صحيحة للحديث الصحيح «رفع الله عن أمتي الخطأ والنسيان ... » ويلاحظ هنا أمر هام وهو أن الإمام الشافعي خرج هنا على قاعدته وهي عدم جواز إثبات ما يخالف العبارة إلا بالعبارة لورود النص في هذه المسألة وأما الحنفية

(1) سنن ابن ماجه ج 1 ص 659 وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه المستدرك 2 ص 198.

(2) حاشية الدسوقي 2/ 365، بداية المجتهد 1/ 303، نهاية المحتاج 6/ 81، المغني لابن قدامة 7/ 118، 112 أعلام الموقعين 4 720.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت