فهم يختلفون فيما بينهم إذا وجدت قرينة قوية تثبت الخطأ والنسيان فبعضهم [1] ذهب إلى أن عقد المخطئ أو الناسي ينعقد فاسدًا لوجود أصل الاختيار لأنه كلامه وذهب آخرون [2] من الحنفية إلى أن القصد إلى العبارة أي أن الاختيار قد انعدام مع الرضا وبالتالي يكون العقد باطلًا.
والأصح هنا هو القول الأخير الذي يلتقي مع رأي الجمهور لأن كلًا من الخطأ والنسيان يعدم الرضا والاختيار معًا (طبقًا لتقسيم الحنفية) والمخطئ والناسي لم يقصد اختيار العبارة أصلًا.
93 -الغلط:
الغلط هو في الحقيقة نوع من الخطأ ولكن ليس خطأ في العبارة فعبارة العاقد مع الغلط صحيحة ولكن تصور العاقد للمعقود عليه قد شابه غلط، وهذا الغلط قد يكون في جنس المعقود عليه أو في صفته أو فيهما معًا كمن يشتري خاتمًا على أنه من الماس فإذا به من الزجاج المصقول الممرد أو يشتري قماشًا على أنه من الحرير ثم يتضح له أنه من ألياف صناعية تشبه الحرير في لمعانه، فهذه صورة من الغلط في جنس المعقود عليه، وأما الغلط في الصفة فمثاله أن يشتري جارية على أنها بكر فيتضح أنها ثيب أو يشتري دابة على أنها هملاجة فيتضح أنها غير ذلك. وأما الغلط في الجنس والصفة معًا كمن يشتري حصانًا على أنه عربي فيتضح أنه بغل غير عربي، والغلط يثبت إذا كان ظاهريًا كأن يشير إلى الخاتم الزجاج ويقول له اشتريت منك هذا الماس فيقول البائع قبلت دون أن يصحح للمشتري غلطه.
وإذا وقع الغلط في جنس المعقود عليه واستطاع العاقد أن يثبت ذلك فإن العقد يكون باطلًا ولا يترتب عليه أثره الشرعي لأن العقد لا وجود له باعتباره سببًا للحكم وهذا يرجع إلى فوات المعقود عليه بسبب فوات الجنس لأن المعقود عليه ليس هو المطلوب، والبطلان هنا يلحق بالعقود كلها بلا خلاف [3] .
(1) كشف الأسرار 4/ 381، مرآة الأصول ص 358.
(2) الكمال بن الهمام في التحرير: التقرير والتحبير شرح التحرير 2/ 205، 206 تيسير التحرير 2/ 307.
(3) البدائع 5/ 139، 140، حاشية ابن عابدين 5/ 53 الشرح الصغير على أقرب المسالك إلى مذاهب الإمام مالك 3/ 190، ورضة الطالبين 3/ 495 المغني لابن قدامة 6/ 546.