الإسلام خواهر زادة والكاساني والبابرتي [1] . والجعالة هي من عقود الإرادة المنفردة في الحقيقة، وهي تؤول إلى اللزوم عند الحنابلة [2] لأنها لا تكون إلا معلقة على شرط وهو قيام المجعول له بالعمل المطلوب، فإذا تحقق هذا الشرط التزم الجاعل بموجب إرادته المنفردة بأداء الجعل للعامل وقد يقال هنا إن الجعالة قد تمت بالقبول الضمني للعامل بقيامه بالعمل المطلوب [3] ولكن يلاحظ على هذا القول أن الشرط اللغوي «أي الذي يأتي على لسان المتعاقد» إنما هو في الحقيقة سبب أي يلزم من وجوده الوجود كما يلزم من عدمه العدم وذلك على عكس الشرط الشرعي فهو لا يلزم من وجوده الوجود، ولعل القرافي هو أول من تفطن لهذه الحقيقة [4] وقد مثل القرافي للشرط اللغوي بقول الزوج: إن دخلت الدار فأنت طالق فيلزم من دخول الدار الطلاق ويلزم من عدم الدخول عدم الطلاق، ومنه أيضًا قول السيد لرقيقه: إن جاء ابني من السفر فأنت حر فيلزم من مجيء ابنه عتق عبده ومن عدم مجيئه عدم عتق عبده. وما دام الشرط اللغوي سببًا في الحقيقة فإن مجرد اشتراط الجاعل - حتى قبل معرفة المجعول له - على نفسه يعتبر سببًا لعقد الجعالة، ولما كان التعليق صادرًا بإرادة الجاعل المنفردة فإن الجعالة تنعقد بإرادته المنفردة ويلزم الجعل بمجرد تحقق الشرط الذي علق عليه الجاعل دفع الجعل لأن الشرط اللغوي سبب كما قدمنا. ويلاحظ أيضًا أنه من الصعب اعتبار العامل قابلًا ضمنًا لإيجاب الجاعل لأن الفقهاء [5] يشترطون بصفة عامة أن يصدر القبول متصلًا بالإيجاب في مجلس العقد إن كان المتعاقدان حاضرين دون أن يفصل بينهما فاصل وإذا كان أحدهما غائبًا فيجب عليه بمجرد وصول الإيجاب إلى علمه أن يظهر رأيه ليتصل قبوله بالإيجاب دون فاصل وذلك على الخلاف المعروف بين الفقهاء بخصوص مجلس العقد [6] فإذا علمنا أن العامل - في الجعالة - لا
(1) بدائع الصنائع للكاساني ج 6 ص 155.
(2) المغنى لابن قدامة ج 4 ص 483.
(3) المدخل للفقه الإسلامي للدكتور سلام مدكور ص 576.
(4) الفروق للقرافي ج 1 ص 63.
(5) المغني لابن قدامة ج 3 ص 563 وما بعدها - حاشية ابن عابدين ج 4 ص 527 فتح القدير ج 5 ص 78.
(6) فالشافعية يشترطون اتصال القبول بالإيجاب فور صدوره من غير وجود فاصل ولو يسيرًا ولكنهم في الوقت نفسه أثبتوا للقابل خيار المجلس حتى لا يضار من هذه الفورية (نهاية المحتاج للرملي ج 3 ص 8) ولم يأخذ الحنفية بالفورية خلافًا للقياس ومراعاة للعرف والتيسير على الناس في التعامل (حاشية ابن عابدين ج 4 ص 527 وما بعدها) ويرى الحنابلة عدم الفورية ولكنهم - على عكس الحنيفة - للقابل خيار الرجوع مثل الشافعية (المغني لابن قدامة ج 3 ص 563 وما بعدها ولا يأخذ المالكية بالفورية ولا خيار المجلس وإنما يأخذون بالإيجاب الملزم فلا يملك الموجب الرجوع ما دام المجلس قائمًا(مواهب الجليل ص 340) وسيفصل هذا في حينه إن شاء الله تعالى.