الصفحة 167 من 186

يعتبر الوكيل ذا ولاية صحيحة على التصرفات التي صرح له بها الموكل. ولقد سبق التشريع الإسلامي النظم الوضعية كلها (قديمها وحديثها) [1] في معرفة نظام الوكالة في أرقي صورها. فقد ابتدع التشريع الإسلامي نظام الوكالة فجعل كل عقد أو تصرف شرعي تجوز فيه الوكالة الكاملة فيجوز للمرء أن يوكل غيره في كل ما يجوز أن يتولاه من التصرفات الشرعية من عقود وغيرها ولم يستثن التشريع الإسلامي شيئًا من العقود ولا التصرفات إلا الأعمال التي يشترط الشارع أن يتولاها ذو الشأن بنفسه مثل أداء اليمين والشهادة والصلاة والصيام وغير ذلك من المسائل التي لا يجيزها الشارع إلا من الشخص نفسه.

والوكالة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} [التوبة: 60] ، فجوز العمل عليها وذلك بحكم النيابة عن المستحقين وأيضًا قوله تعالى: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ} [الكهف: 19] ، وهذه وكالة، وقد ثبتت الوكالة في الصحيح من السنة المطهرة فثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكل أبا هريرة بحفظ زكاة رمضان [2] وأنه استعمل رجلًا (أي وكيلًا) على خبير [3] وثبت أيضًا في الصحيح عن

(1) لم يعرف القانون الروماني فكرة النيابة الاتفاقية (الوكالة) أو غيرها وغاية الأمر أنه سلم بأن رب الأسرة يمكن أن يصير مالكًا أو دائنًا عن طريق أولاده أو رقيقه بمقتضى ما له من سلطه ومن حق ملكية على أولاده ورقيقه وما يملكون ولأن الملكية والدائنية كانت تثبت عندهم لرب الأسرة وليس للأولاد ولا الرقيق ورؤي مقابل ذلك أن يلتزم رب الأسرة بتصرفات أولاده ورقيقه طبقًا للحدود التي يقرها القانون ولم يتعد أمر النيابة في القانون الروماني هذا الحد فكان من يوكل آخر في تولي عقد يهمه مع الغير لا تنصرف إليه آثار العقد وإنما تنصرف إلى الوكيل الذي يؤدي حسابًا عن وكالته إلى الموكل وينقل بدوره آثار العقد إلى الموكل الذي لا تقوم بينه وبين الغير الذي تعاقد مع الوكيل أي علاقة مباشرة ثم تطور الأمر بعد في القانون بعد ظهور الشريعة الإسلامية بقرون عديدة فنقل القانون الوضعي عن الشريعة الإسلامية فكرة الوكالة بصورتها الراقية المعروفة الآن والتي ابتدعها التشريع الإسلامي وسنعود إلى هذا الموضوع في حينه إن شاء الله تعالى عند الكلام عن العاقد في القانون.

(2) رواه البخاري انظر التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول الله صلى الله عليه وسلم للشيخ منصور على ناصف 3/ 201.

(3) رواه البخاري عن أبي هريرة انظر المرجع السابق 3/ 201.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت