ولكن هذه الحجة في الحقيقة واهية في هذا المقام لأن الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قال تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب: 6] ، وجاء في تفسير هذه الآية الكريمة: [علم الله تعالى شفقة رسول - صلى الله عليه وسلم - فجعله أولى بهم من أنفسهم وحكمه فيهم مقدم على اختيارهم لأنفسهم] [1] ولذلك فإن أمره إلى عمرو بن أم سلمه بتزويج أمه منه لا يعتبر - والله أعلم - دليلًا على صحة عبارة الصبي المميز.
ومن جهة أخرى فإنه ليس من المؤكد أن ابن أم سلمه كان غير بالغ في هذا الوقت، ويذهب المالكية والشافعية إلى أنه من شروط الوكيل [أن لا يكون ممنوعًا بالشرع من تصرفاته في الشيء الذي وكل فيه] [2] وعلى هذا فالصبي المميز لا يملك أن يكون وكيلًا إلا فيما أذن له فيه من التجارة من وليه أو وصيه وما لا يملكه لنفسه لا يملكه بصفته وكيلًا عن غيره. هذا وبناء على القول بأن عقد الصبي المميز يكون صحيحًا موقوفًا على إذن وليه أو وصيه (وهو قول الحنفية وجمهور المالكية والحنابلة) فإن توكيل الصبي المميز يكون صحيحًا موقوفًا على إذن الولي أو الوصي.
ويذهب الشافعية إلى بطلان عقود الصبي المميز وإلى بطلان توكيله وذلك هو مقتضى قاعدتهم: بأن كل شيء حجر على الصغير فيه فهو باطل إذا تولاه لنفسه أو لغيره فإن الشافعية لا يجيزون تصحيح عقد الصبي بإجازة الولي اللاحقة [3] فهم لا يقولون بالعقد الموقوف.
101 -مدى انصراف أثر العقد - الذي يبرمه الوكيل - إلى الموكل:
يتفق الفقهاء في أن حكم العقد الذي يبرمه الوكيل ينصرف إلى الموكل وليس إلى الوكيل الذي أبرم العقد بإرادته وعبارته ويختلفون بالنسبة إلى حقوق العقد [4] فيذهب الجمهور
(1) ... تفسير ابن كثير اختصار وتحقيق محمد على الصابوني 3/ 82.
(2) العبارة بين القوسين نقلًا عن بداية المجتهد لابن رشد 2/ 301 وفي نفس المعنى المغني لابن قدامة 5/ 72.
(3) مغني المحتاج للشربيني 2/ 15.
(4) يقصد الفقهاء بحكم العقد الأثر المترتب على العقد والذي يثبت لكل من العاقدين قبل الآخر فحكم عقد البيع هو نقل ملكية المبيع إلى المشتري والثمن إلى البائع وحكم عقد الزواج هو حل البضع لكل من الزوجين وهكذا وأما حقوق العقد فهي كل ما يؤكد تنفيذ حكم العقد أي مجموع المطالبات والالتزامات المرتبطة بتنفيذ العقد مثل تسليم الشيء المبيع وقبض الثمن فالحكم في البيع يتم بمجرد تمام العقد والتسليم يكون بعد ذلك (إلا في بيع الأموال الربوية) .