الصفحة 174 من 186

الوجه الثاني:

أن عقد الفضولي هو عقد معلق على شرط الإجازة وهذا مخالف لأصلهم في عدم جواز تعليق التمليكات ولكن الأصح هو جواز تعليق عقود التمليكات وهذا رأي ابن تيمية وابن القيم، والحق أن الفقهاء عندما رفضوا تعليق عقود التمليكات لم يستندوا إلى نص في الكتاب والسنة الصحيحة وإنما كان مجرد صياغة فقهية تقوم على زعم أن التعليق يلحق غررًا فاحشًا بالعقد وعقود التمليك يفسدها الغرر الفاحش [1] وهذا الرأي - رغم أنه رأي الكثرة الغالبة - غير صحيح في نظري لأن التعليق في حد ذاته ليس فيه أدنى غرر إذا كانت أركان العقد قد بينت بيانًا كافيًا نافيًا للجهالة وكل ما في الأمر أن العقد قد ينعقد وقد لا ينعقد وهذا ليس غررًا طالما أن جميع عناصر العقد قد حددت تحديدًا كافيًا وهذا هو الحاصل في حالتي خيار المجلس وخيار الشرط فإن العقد يتم صحيحًا في أثناء انعقاد المجلس ولكنه يكون موجودًا على خطر الزوال إذا اختار أحد العاقدين الفسخ قبل انفضاض المجلس فهو معلق على شرط استعمال الخيار وكذلك الحال بالنسبة إلى خيار الشرط، وقد أوجب الشارع خيار المجلس في عقود المعاوضات المالية كما أباح فيها خيار الشرط، وعقود المعاوضات المالية هي أشد العقود تأثرًا بالغرر إن لم تكن هي الوحيدة على رأى بعض الفقهاء [2] ولا ريب أن إيجاب الشارع لخيار المجلس وإباحته لخيار الشرط لهو دليل قوي على جواز تعليق عقود التمليكات بأنواعها، ولكن الغالبية العظمى من الفقهاء يذهبون إلى أن خيار المجلس وخيار الشرط يعتبر استثناء يعمل به لورود النص به وما عداه يبقى على أصل المنع وهذا التوجه بعيد ولا دليل عليه من النصوص الشرعية، ولذلك كله فإن الرأي الصحيح هنا - في نظري والله أعلم - هو رأي القلة الذين ذهبوا

(1) وذلك على خلاف في التفاصيل بينهم لأن منهم من رأى أن الغرر يفسد عقود التمليك بأسرها من معاوضات مالية وغير مالية وتبرعات ومنهم من ذهب بحق إلى أن الغرر لا يفسد إلا المعاوضات المالية فقط ولكن يلاحظ هنا أن هؤلاء الفقهاء رفضوا تعليق عقود التمليك بأسرها على أساس الغرر والجهالة وبصرف النظر عن اختلافهم بشأن تأثير الغرر على بعض عقود التمليك دون بعضها الآخر وسنعود إلى تفصيل هذه المسألة في موضعها من البحث إن شاء الله تعالى حين الكلام عن شروط في العقد.

(2) ذهب ابن تيمية وابن القيم وجمهور المالكية وجمهور الحنابلة إلى أن عقود المعاوضات المالية هي وحدها التي تتأثر بالغرر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت