[أتجعلين أمرك إلي قالت: نعم قال: قد تزوجتك] [1] واستدلوا بما رواه عن عقبة بن عامر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل: «أترضى أن أزوجك فلانة» قال: نعم وقال للمرأة: «أترضين أن أزوجك فلانًا» قالت: نعم «فزوج أحدهما من صاحبه» [2] .
واستدل زفر بأصول الحنفية على منع تعاقد الشخص مع نفسه بصفته وكيلًا عن الطرفين وقد علمنا أن من أصولهم أن حقوق العقد تتعلق بالوكيل فلا يجوز أن يتعلق به حكمان متضادان لتضارب مصالح طرفي العقد فلا يجوز أن يكون موجبًا وقابلًا في وقت واحد [3] هذا وإذا كان العاقد الواحد فضوليًا وليس وكيلًا عن الطرف الآخر كأن يكون وكيلًا عن أحد العاقدين وفضوليًا بالنسبة إلى العاقد الآخر فإن أبا حنيفة ومحمد يبطلان الفضالة في هذه الحالة وبالأولى إذا كان فضوليًا من الجانبين.
وذهب أبو يوسف إلى جواز الفضالة في هذه الحالة ويكون العقد موقوفًا على إجازة صاحب الشأن الذي كان العاقد فضوليًا بالنسبة له أو على الطرفين إذا كان فضوليًا بالنسبة لهما معًا. ويستند أبو يوسف في هذا الحكم إلى القياس على الخلع والنكاح في نظره يشبه الخلع، ولا خلاف في أن الزوج له أن يقول بغير إذن زوجه خالعت امرأتي على كذا وهي غائبة فإذا بلغها وأجازت نفذ الخلع عليها مع أنه كان فضوليًا بالنسبة لها فالفقهاء إذن يتفقون على انعقاد الخلع بعبارة الزوج عن نفسه وبصفته فضوليًا بالنسبة للمرأة والنكاح فينظر أبي يوسف مثل الخلع فيجوز فيه ما لا يجوز في الخلع ويستدل أبو حنيفة ومحمد بأن الأصل في العقد ألا ينعقد إلا بإيجاب وقبول - ما دام ليس من عقود الإرادة المنفردة - ولكن عبارة الشخص الواحد تقوم مقام العبارتين (الإيجاب والقبول) إذا وجد ما يدل شرعًا على أنها تقوم مقامهما هذا ولا يتأتى بإقامة الطرف الغائب مصدر العبارة مقامه بوكالة أو بولاية شرعية فإذا لم يوجد ما يدل على هذه الولاية فالعبارة الصادرة من الفضولي ليست إلا شطرًا للعقد فهي لا تعدو أن تكون إيجابًا فقط والإيجاب لا ينعقد به عقد يتولاه طرفان بل يبطل بمجرد تفرق المجلس وعلى ذلك إذا كان العاقد
(1) رواه البخاري كتاب النكاح الباب 37.
(2) رواه أبو داود بسند صالح. انظر التاج الجامع للأصول للشيخ منصور على ناصف 2/ 271.
(3) يراجع في هذا كله البدائع 2/ 232 وتبين الحقائق للزيلعي 2/ 132.