سابعًا: اشتراط المشتري مال العبد المباع ودليله: قوله صلى الله عليه وسلم: «ومن ابتاع عبدًا فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع» [2] .
وفيما عدا هذه الشروط السبعة فكل شرط يشترطه العاقدان فهو باطل والعقد باطل أيضًا ما دام قد اقترن به الشرط الباطل. ولما كان ابن حزم يستبعد جميع الشروط غير المنصوص عليها فهو - من باب أولى - يستبعد كل عقد مستحدث لم يرد به نص من كتاب أو سنة، وهو ما صرح به فعلًا [3] .
9 -عرض حجج ابن حزم في تدليله على مبدأ الحظر:
-أولًا: الاستدلال بحديث بريرة، وحديث رد كل عمل مبتدع:
استند ابن حزم إلى ما روى من طريق البخاري وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت بريرة وهي مكاتبة فقالت: اشتريني وأعتقيني قالت: نعم، قالت: لا يبيعوني حتى يشترطوا ولائي فقالت عائشة: لا حاجة لي بذلك فسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - أو بلغه فذكر لعائشة، فذكرت عائشة ما قالت لها فقال: «اشتريها وأعتقيها ودعيهم يشترطون ما شاءوا» فاشترتها فأعتقتها واشترط أهلها الولاء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الولاء لمن أعتق وإن اشترطوا مائة شرط» [4] وفي رواية أخرى للبخاري أيضًا: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خذيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق» ففعلت عائشة ثم قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط قضاء الله أحق وشرط الله أوثق وإنما الولاء لمن أعتق» [5] وقد فسر ابن حزم هذا الحديث بأن اشتراط البائع الولاء لنفسه كان مباحًا غير منهي عنه لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما كان ليقول هذا القول إلا وهذا الشرط مباح لأنه لا يبيح الباطل ولا يغر أحدًا ولا يخدعه ويستدل ابن حزم هنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما كان من شرط ليس في كتاب الله عز وجل فهو باطل» فيقول: إن هذا يرفع الإشكال كله وإن الشروط كلها باطلة إلا ما كان في كتاب الله أي ورد في القرآن أو في السنة الصحيحة، واستدل ابن حزم أيضًا بما روته عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» [6] فصح بهذا النص بطلان كل عقد عقده الإنسان والتزمه إلا ما صح أن يكون عقدًا جاء النص بالإلزام به باسمه أو بإباحة التزامه [7] .
-ثانيًا: رد ابن حزم على من احتج بقوله تعالى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] :
يرى ابن حزم أنه لا يجوزهنا الاحتجاج بهذه الآية الكريمة ولا بقوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} [النحل: 91] .
وذلك لأنه يرى أن أمر الله تعالى بالوفاء بالعقود ليس على عمومه ولا على ظاهره لأن القرآن أمر باجتناب نواهي الله ومعاصيه فمن عقد على معصية فهو حرام عليه الوفاء بها وما دام هذا لا شك فيه فإن ابن حزم يستخلص من هذه المقدمة أنه لا شك - إذن - أن كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل، والباطل محرم وكل محرم لا يحل الوفاء به، وكذلك قوله تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} فإن أحدًا لا يعلم - على حد قوله - ما هو عهد الله إلا بنص وارد فيه وإن كل عهد نهى الله عنه فليس هو عهد الله بل هو عهد الشيطان فلا يحل الوفاء به ولا يمكن معرفة عهد الله إلا بنص وبالتالي فكل ما لم ينص عليه فهو باطل ولا يحل الوفاء به.
-ثالثًا: رد ابن حزم على من احتج بحديث: «المسلمون على شروطهم» [8] :
يرى ابن حزم أن هذا الحديث من رواية كثير بن عبد الله بن عمرو ابن يزيد وأنه - على
(1) رواه مسلم في كتاب البيوع.
(2) رواه مسلم في كتاب البيوع تكلمه الحديث السابق الخاص بالنخل المؤبر.
(3) المرجع السابق لا بن حزم ج 8 ص 412 وما بعدها.
(4) رواه البخاري في كتاب العتق.
(5) رواه البخاري في كتاب العتق.
(6) متفق عليه وفي رواية لمسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» .
(7) الإحكام في أصول الأحكام لا بن حزم ج 5 ص 32.
(8) روى هذا الحديث أبو داود والترمذي والحاكم وقال صاحب التاج الجامع لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم: إن هذا الحديث صحيح (التاج جزء 2 ص 185 هامش) .