الصفحة 55 من 186

]، فأمر سبحانه وتعالى بالوفاء بالعقود ويقول ابن تيمية: إن هذا عام وإنه تعالى أمر بالوفاء بعهد الله وقد دخل في ذلك ما عقده المرء على نفسه بدليل الآية آنفة الذكر من سورة الأحزاب فدل على أن عهد الله يدخل فيه ما عقده المرء على نفسه وقد أمر الله بالوفاء به وقرنه بالصدق في قوله تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا} [الأنعام: 152] ، لأن العدل في القول خبر يتعلق بالماضي والحاضر، والوفاء بالعهد يكون في القول المتعلق بالمستقبل. وقال سبحانه: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} [النساء: 1] ، وقال المفسرون كالضحاك وغيرها: تساءلون به تتعاهدون وتتعاقدون، وذلك لأن كل واحد من المتعاقدين يطلب من الآخر ما أوجبه العقد من فعل أو ترك مال أو نفع ونحو ذلك. وقال سبحانه: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (93) } إلى قوله تعالى: {وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ} [النحل: 91 - 94] ، والأيمان جمع يمين وكل عقد فإنه يمين قيل: سمي بذلك لأنهم كانوا يعقدونه بالمصافحة باليمين ويدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: {إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئًا ولميظاهروا عليكم أحدًا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين} إلى قوله تعالى: {كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} [التوبة: 7، 8] ، والْإل هو القرابة، والذمة العهد وهما المذكوران في قوله تعالى: {تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} [النساء: 1] ، فذمهم على قطيعة الرحم ونقض الذمة أي العهد وقال تعالى: {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ} [التوبة: 12] ، فهذه نزلت في الكفار لما صالحهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية ثم نقضوا العهد بإعانة بني بكر على خزاعة فهذه الآيات الكريمات وغيرها توجب الوفاء بالعقد وهذا مما لا ريب فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت