الصفحة 57 من 186

والشروط [1] :

يقول ابن تيمية: إن الكتاب والسنة قد جاءا بالأمر بالوفاء بالعهود والشروط والمواثيق والعقود وبأداء الأمانة ورعاية ذلك كله والنهي عن الغدر ونقض العهود والخيانة والتشديد على من يفعل ذلك، ولو كان الأصل في العقود الحظر والفساد إلا ما أباحه الشرع أو أوجبه لم يجز أن نؤمر بها مطلقًا ويذم من نقضها أو غدر مطلقًا، كما أن قتل الأنفس لما كان الأصل فيه الحظر إلا ما أباحة الشرع أو أوجبة لم يجز أن يؤمر بقتل الأنفس مطلقًا بخلاف ما كان جنسه واجبًا كالصلاة والزكاة فإنه يؤمر به مطلقًا، وإن كان لذلك شروط وموانع عن الصلاة بغير الطهارة وعن الصدقة بما يضر النفس ونحو ذلك، وكذلك الصدق في الحديث مأمور به وإن كان قد يحرم الصدق أحيانًا لعارض ويجب السكوت والتعريض، وإذا كان حسن الوفاء ورعاية العهد مأمورًا به فلما كان ذلك كذلك علم أن الأصل صحة العقود والشروط إذ لا معنى للتصحيح إلا ما ترتب عليه أثره وحصل به مقصوده وهو الوفاء به، وإذا كان الشرع قد أمر بمقصود العهود فهذا يدل على أن الأصل فيها الصحة والإباحة.

والإباحة هنا لا تتعارض ألبتة مع ما حرمه الله فالمشترط ليس له أن يبيح ما حرمه الله ولا أن يحرم بإطلاق ما أباحه الله، فإن عقده وشرطه يكون حينئذ باطلًا لمخالفته لحكم الله، وكذلك ليس له أن يسقط ما أوجبه الله وإنما المشترط له أن يوجب بالشرط ما لم يكن واجبًا بدونه فمقصود الشروط وجوب ما لم يكون واجبًا ولا حرامًا، وكل شرط صحيح لا بد أن يفيد وجوب ما لم يكن واجبًا وإباحة ما لم يكن مباحًا وتحريم ما لم يكن حرامًا وكذلك كل من المتاجرين والمتناكحين. وكذلك إذا اشترط صفة في المبيع أو رهنًا أو اشترطت المرأة زيادة على مهر مثلها فإنه يجب ويحرم ويباح بهذا الشرط ما لم يكن كذلك، وهذا المعنى هو الذي أوهم من اعتقد أن الأصل هو فساد الشروط إذ قال لأنها إما أن تبيح حرامًا أو تحرم حلالًا أو توجب ساقطًا أو تسقط واجبًا وذلك لا يجوز إلا بإذن الشرع وقد ورد شبهات عند بعض الناس حتى توهموا أن حديث «المسلمون على شروطهم» متناقض وليس كذلك في الحقيقة، بل ما كان حرامًا مؤبدًا بدون الشرط

(1) نقلًا عن الفتاوى الكبرى لابن تيمية ج 3 ص 481 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت