فالشرط لا يبيحه كالزنا والوطء في ملك الغير. وأما ما كان مباحًا بدون الشرط فالشرط قد يوجبه كالزيادة في المهر والثمن والمثمن والرهن وتأخير الاستيفاء، فإن الرجل له أن يعطي المرأة وله أن يتبرع بالرهن والاستيفاء ونحو ذلك فإذا شرطه صار واجبًا.
وهذا التحليل الدقيق لا بن تيمية يكشف بدقة عن حقيقة الموقف بالنسبة إلى أثر الشرط في العقد ويكشف عن الغلط الذي وقع فيه بعض الفقهاء عندما قالوا بأن الشرط بصفة عامة يحل الحرام ويحرم الحلال وهذا غير صحيح لأنه ينبغي التفرقة بين ما هو محرم أو ما هو حلال بصفة مطلقة وبين المحرم أو الحلال في حال مخصوصة كالمرأة الأجنبية فهي حرام على من يريد الزواج منها حتى يعقد عليها بعقد صحيح فهذا العقد قد أحل ما كان محرمًا ولا يعتبر هذا تحليلًا لما حرمه الله. وأما المحرمة بصفة مؤبدة مثل أم الزوجة فإن العقد عليها لا يحلها. وكذلك الشأن بالنسبة إلى العقود المستحدثة فإنها ما دامت لم تشتمل على ما يتعارض مع نص شرعي صحيحفإنها تكون صحيحة حتى لو أحلت ما كان محرمًا في حال مخصوصة ويجوز تحليله بالعقد.
24 -وجه الاستدلال بالاعتبار عند ابن تيمية [1] :
-أولًا: العقود والشروط من باب الأفعال العادية الأصل فيها الإباحة:
فالأصل في العقود مثل الأصل في الأفعال العادية هو الإباحة وعدم الحظر لأنها ليست من العبادات، وقوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 199] ، عام في الأعيان والأفعال وإذا لم تكن حرامًا لم تكن فاسدة لأن الفساد إنما ينشأ من التحريم وإذا لم تكن فاسدة كانت صحيحة، وأيضا فليس في الشرع ما يدل على تحريم جنس العقود والشروط إلا ما ثبت تحريمه بعينه وانتفاء دليل التحريم دليل على عدم التحريم فثبت بالاستصحاب العقلي وانتفاء الدليل الشرعي عدم التحريم فيكون فعلها إما حلالًا أو عفوًا، كالأعيان التي لم تحرم وغالب ما يستدل به على أن الأصل في الأعيان عدم التحريم من النصوص العامة والأقيسة الخاصة والاستحضار العقلي وانتفاء الحكم لانتفاء دليله، فإنه يستدل به أيضًا على عدم تحريم العقود والشروط فيها سواء سمي ذلك حلالًا أو عفوًا على
(1) نقلًا عن الفتاوى الكبرى لابن تيمية ج 3 ص 483.