الاختلاف المعروف بين الفقهاء بين الحلال والعفو، وليس أدل على تسوية العقود بالأفعال - من هذه الناحية - من أن المسلمين قد اتفقوا على أن العقود التي عقدها الكفار يحكم بصحتها بعد الإسلام إذا لم تكن محرمة على المسلمين وإن كان الكفار لم يعقدوها بإذن شرعي، ولو كانت العقود كالعبادات لا تصح إلا بشرع لحكموا بفسادها أو بفساد ما لم يكن أهله مستمسكون فيه بشرع.
ثانيًا: التراضي في العقود عمومًا وطيب النفس في التبرعات هو الأصل بالدليل القرآني:
الأصل في العقود رضي العاقدين ونتيجتها هي ما أوجباه على أنفسهما بالتعاقدين لأن الله تعالى قال في كتابه: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] ، وقال: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4] ، فعلق جواز الأكل بطيب النفس تعليق الجزاء بشرطه فدل على أنه سبب له وهو حكم معلق على وصف مشتق مناسب فدل على أن ذلك الوصف سبب لذلك الحكم، وإذا كان طيب النفس هو المبيح للصداق فكذلك سائر التبرعات قياسًا بالعلة المنصوصة التي دل عليها القرآن وكذلك قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} لم يشترط في التجارة إلا التراضي، وذلك يقتضي أن التراضي هو المبيح للتجارة، وإذا كان كذلك فإذا تراضي المتعاقدين أو طابت نفس المتبرع بتبرع ثبت حله بدلالة الكتاب إلا أن يتضمن ما حرمه الله ورسوله كالتجارة في الخمور ونحو ذلك.
ثالثًا: الشرط المنافي لمقصود العقد والشرط المنافي لمقصود الشارع:
يقول ابن تيمية إنه إذا كان الشرط منافيًا لمقصود العقد كان الشرط لغوًا، وإذا كان منافيًا لمقصود الشارع كان مخالفًا لله ورسوله فأما إذا لم يشتمل على واحد منهما بأن لم يكن لغوًا ولا اشتمل على ما حرمه الله ورسوله فلا وجه لتحريمه، بل الواجب حله لأنه عمل مقصود للناس يحتاجون إليه إذ لولا حاجتهم لما فعلوا فإن الإقدام على فعل مظنة الحاجة إليه، ولم يثبت تحريمه فيباح لما في الكتاب والسنة من الأمر برفع الحرج.
رابعًا: الرد على الاستدلال بحديث بريرة في حظر العقود والشروط:
فسر ابن تيمية حديث بريرة بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد به إبطال الشروط التي تنافي كتاب الله، ولم يرد إبطال الشروط التي سكت عنها كتاب الله، ثم رد على القول بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد أن