الصفحة 68 من 186

بناء على عقد بينه وبين الأمة ويذهب روسو إلى أن المجتمع الذي يتكون على أساس العقد بين الحاكم والأمة سيصبح وحدة سياسية قوية البناء متناسقة الأجزاء تفيض بالحياة الكريمة وتمتلئ بالشعور النبيل ينعكس على كل فرد فيها فتصير كالجسد الواحد يألم كله لما يصيب أي فرد فيه وهذا الكلام يذكرنا [1] بما رواه النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» [متفق عليه] .

[رواه البخاري في الأدب باب رحمة الناس والبهائم، ومسلم في البر والصلة باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم] .

ولو رجعنا إلى الإنجليزي لوك لوجدنا أنه ينقل نظريته من عقد البيعة الإسلامية فهو يرى أن العقد الاجتماعي الذي انتقل به الأفراد من حياة التخلف إلى حياة الحضارة - فرض على كل من الحاكم والمحكومين واجبات متبادلة فإذا خرج الحاكم عن حدود واجباته التي التزم بها في عقده مع الأمة وجنح إلى الحكم المستبد ولم يرع مصلحة الجماعة فإن من حق الجماعة أن تقاوم طغيانه وتستعيد سيادتها الأصلية التي كانت قد ائتمنت عليها ذلك الحاكم وتمنحها لحاكم جديد [2] . ويجب أن نلحظ هنا أن مفكري أوروبا حينما أخذوا فكرة العقد الاجتماعي من عقد البيعة الإسلامية قد أغفلوا أمرًا هامًا وهو العبودية لله تعالى ولذلك نجدهم يتكلمون عن سيادة الأمة وهذا شيء طبيعي بالنسبة لهؤلاء المفكرين والفلاسفة لأنهم اهتموا بالجانب التنظيمي دون أن يتوغلوا في حقيقة النظم الإسلامية التي تقوم كلها على أساس التوحيد والعبودية لله وحده لا شريك له. هذا ولقد أسهمت هذه النظريات التي استفادت إلى حد كبير من أحكام الفقه الإسلامي - في ظهور مبدأ سلطان الإرادة [3] وحق كل فرد في إنشاء ما يشاء من العقود واستحداث ما يشاء من الشروط

(1) سبقني إلى هذه الملاحظة الدكتور حازم عبد المتعال الصعيدي في رسالة النظرية الإسلامية في الدولة ص 170.

(2) انظر أيضًا النظرية الإسلامية في الدولة لحازم عبد المتعال ص 170 وما بعدها.

(3) ولكن بصورة مغايرة - ولا ريب - لقاعدة حرية العقود في الفقه الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت