البيع ونحوه من العقود المالية بكل لفظ يدل على المقصود دلالة واضحة، وأما عقد النكاح فلا يجوز إلا بالألفاظ الواردة في الشرع وهي لفظا النكاح والزواج وما يشتق منهما لمن يفهم العربية، وأما من لم يفهمها فيصح منه الزواج بالعبارة التي تؤدي إلى معناه. واستندوا إلى أن عقد النكاح له خطورته وفيه معنى التعبد بإحصان الفرج وتكثير المسلمين وأنه لم يرد في القرآن الكريم إلا هذان اللفظان (النكاح والزواج) .
وذهب فريق ثالث - وهم الحنفية [1] والمالكية [2] - إلى أن العقود بصفة عامة تتم بكل لفظ يدل عليها وهذا الرأي هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية [3] وابن القيم [4] واستند هذا الفريق إلى أن الله عز وجل اكتفى بالتراضي في العقود المالية؛ قال تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] ، واكتفى بطيب النفس في التبرعات؛ قال تعالى: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4] ، واستندوا أيضًا إلى أن العبادات الأصل فيها الحظر والتوقيف فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى، وأما المعاملات فالأصل فيها الإباحة إلا ما حرم بنص. واستندوا أيضًا إلى أن من تتبع ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة من أنواع المبايعات والتبرعات علمبالضرورة أنهم لم يكونوا يلتزمون صيغة معينة من الطرفين، وأمابالنسبة إلى عقد الزواج فقد استندوا إلى أن: [5] [نكاح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انعقد بلفظ الهبة فينعقد به نكاح أمته، ودلالة الوصف قوله تعالى: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك} معطوفًا على قوله تعالى: {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك ... } أخبر تعالى أن المرأة المؤمنة التي وهبت نفسها للنبي - صلى الله عليه وسلم - عند اسنتكاحه أياها حلال له، وما كان مشروعًا في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - يكون مشروعًا في حق أمته حتى يقوم دليل الخصوص فإن قيل: قد قام دليل الخصوص ههنا وهو قوله تعالى: {خالصة لك من دون المؤمنين} فالجواب أن المرد
(1) البدائع للكساني 2/ 229.
(2) حاشية الدسوقي: 2/ 221، 3/ 2.
(3) القواعد النورانية الفقهية لابن تيمية ص 105.
(4) إعلام الموقعين 1/ 218 0
(5) نقلًا عن بدائع الصنائع للكسانى 2/ 230.