الصفحة 8 من 186

الكون الثابتة وأموره المتطورة، فأنزل العليم الخبير لأمور الكون الثابتة أحكامًا تفصيلية جزئية لأنها تحكم علاقات ثابتة ومثالها تنظيم العلاقة بين الرجل والمرأة والأسرة مثل أحكام الزواج والطلاق والنفقات والحضانة والولاية على نفس وعلى المال، وكذلك بيان العقوبات الرادعة لطائفة من الجرائم الكبرى التي قدر الله تعالى أن تشيع بين الناس إلى يوم القيامة.

وأما الأمور المتطورة بطبيعتها فقد أنزل العليم الخبير لها قواعد عامة حكيمة رحيبة الجوانب واسعة حتى تتيح الفرصة للعقل المسلم لكي يجتهد في نطاق هذه القواعد الواسعة فتحقق بذلك المرونة اللازمة لمسايرة تطور هذه الأمور على مر العصور دون أن تخرج عن نطاق الشريعة، لأن الاجتهاد هنا محصور داخل حدود هذه القواعد الواسعة، والأمثلة على هذه القواعد الواسعة ما أنزله تعالى لتنظيم المعاملات بين الناس فالأصل في هذه المعاملات الإباحة مع تحريم ربا البيوع في أموال معينة وما يقاس عليها بجامع علة الثمينة في الذهب والفضة وعلة الطعم مع الكيل أو الوزن في البر والشعير والتمر والملح ومع تحريم ربا القرض بأنواعه لضرره البالغ على المجتمع وتحريم الغرر في عقود المعاوضات المالية. ونظمت الشريعة أهم العقود المسماة التي تعارف عليها البشر وشرعت للمسلمين أن يشترطوا ما يشاؤون من الشروط التي لا يخالف نصًا عامًا أو خاصًا في الكتاب أو السنة. ولم تلتزم الشريعة بقالب ضيق معين للنظام الاقتصادي كما فعلت المذاهب المادية وفشلت فيه.

ومن هذا أيضًا شكل النظام السياسي للدولة الإسلامية فهو من الأمور المتروكة للتطور البشري في حدود المبادئ الواسعة الراقية التي جاءت بها الشريعة مثل مبدأ العدل ومبدأ الشورى ومبدأ البيعة القائمة على اختيار الحاكم الأصلح وفيما عدا ذلك فقد تركت الشريعة للبشر أن يختاروا من أشكال الحكم ما يشاؤون بشرط تحكيم كتاب الله وسنة رسوله ? في كل شيء وفرض سلطانه على الحاكم والمحكومين جميعًا.

-سادسًا: فشل جميع الأنظمة القديمة والحديثة في إسعاد البشرية:

لقد عجزت جميع الأنظمة - قديمها وحديثها - عن إسعاد البشرية ولم تجلب لها إلا التعاسة والمعيشة الضنك، فمهما كثر المال ومهما تقدمت المدنية بعلومها ومكتشفاتها التي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت