يسرت للناس سبل العيش المادي فإنها لم تستطع أن تعطيهم الأمن والطمأنينة بل على العكس أمدتهم بالفزع المستمر والقلق الدائم وشاع بين الناس في أوربا وأمريكا - حيث يتشدقون بالعلم والتقدم - شاع بينهم ما يسمى بالاكتئاب النفسي والجنون وكثرة حالات الانتحار الفردي والجماعي.
وهم لا يشكون جوعًا ولا فقرًا وإنما يشكون أرواحًا خربة ونفوسًا قد طحنتها الحضارة المادية الزائفة فأورثها المعيشة الضنك أي القلق الرهيب كما أخبر القرآن الكريم {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124] .
فالحضارة المادية الزائفة مهما اختلفت أنظمتها وأشكالها سواء أكانت شرقية شيوعية أم غربية رأسمالية لم تعط العالم إلا البؤس والشقاء والخوف الداخلي والخارجي والرعب من أسلحة الدمار التي تنفق عليه الأموال الطائلة التي لا تعد ولا تحصى حتى محقت بركة الأرض أو كادت، وأصبح العالم لا يعيش ثلثه في جوع فحسب بل هو مهدد بالجوع الشامل لو استمر الحال على ما هو عليه وحق عليه قول الله تبارك وتعالى {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41] .
وأما الأنظمة السماوية السابقة فقد رفضها القوم منذ أمد بعيد لمخالفتها للفطرة بسبب تحريفها ولم يبق إلا شريعة الإسلام ملجأ للناس وملاذًا إن أرادوا الخير لأنفسهم.
هذا وسيتضح لنا من خلال هذا البحث المقارن - بإذن الله - كيف أن الشريعة الإسلامية تهيمن على كافة الشرائع القديمة والحديثة بتفوقها وعلوها دائمًا لأنها من عند العليم الخبير.
وسيتضح لنا أيضًا كيف أن القوانين الوضعية في أوربا استفادت كثيرًا واستنارت بالشريعة الإسلامية عن طريق بيانها العلمي وهو الفقه الإسلامي.
ولا يحسبن أحد أن هذه القوانين - وقد نهلت من الفقه الإسلامي - تصلح أن تكون بديلًا عن هذا الفقه فهذا لا يصح أبدًا لأكثر من سبب:
فأولًا: أن تطبيق الشريعة الإسلامية أمر لا ينفصل عن العقيدة الإسلامية فالمسلمون ملزمون بأن يحكموا بما أنزل الله لهم من أحكام بنية الإقرار بالعبودية لله لذلك يقول تعالى: {ومن لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] ، ويقول تعالى: إِنَّ