يوسف أن بلالًا خطب إلى قوم من الأنصار فأبوا أن يزوجوه فقال: لولا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرني أن أخطب إليكم لم أخطب فقالوا له: أملكت؟ ولم ينقل أن بلالًا رضي الله عنه قال: قبلت.
فتركنا القياس بالنص ولا نص في البيع فوجب العمل بالقياس ولأن هذه الصيغة مساومة حقيقة فلا تكون إيجابًا وقبولًا حقيقة بل هي طلب الإيجاب والقبول فلا بد للإيجاب والقبول من لفظ آخر يدل عليها، ولا يمكن حمل هذه الصيغة على المساومة في باب النكاح لأن المساومة لا توجد في النكاح عادة فحملت على الإيجاب والقبول على أن الضرورة توجب أن يكون قول القائل زوج ابنتك منى (صيغة بالأمر) شطر العقد فلو لم تجعل شطر العقد لتضرر به الولي لجواز أن يزوج ولا يقبل المخاطب فيلحقه الشين فجعلت شطرًا لضرورة دفع الضرورة عن الأولياء وهذا المعنى في باب البيع منعدم فبقيت سؤالًا فلا يتم به الركن مالم يوجد الشطر الآخر] [1] .
فالحنفية هنا يجمعون بين صيغة الأمر وصيغة الاستفهام في جوازهما (إيجابًا) في عقد النكاح ويستدلون لصحة رأيهم بورود النص وبمنع الضرر عن ولي المرأة كما هو واضح من كلام الكاساني السابق. وفي رأيي أنه يؤخذ على كلام الحنفية في هذه المسألة أنه إذا كان قد ورد النص بصحة صيغة الاستفهام (والأمر) في عقد النكاح فإن صحة هذا في عقد البيع أولى لخطورة عقد النكاح ولأن عقد البيع يشتمل على خيار المجلس فلا خطر من انعقاد العقد بالاستفهام (إيجاب) إذا احتوى هذا الاستفهام على جميع شروط العقد كأن يقول له: هل تبيعني سيارتك هذه (وهي حاضرة) بمبلغ كذا، هذا ويلاحظ هنا أن الحنفية لا يعترفون بخيار المجلس في البيوع وفسروا حديث: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» على أنه إذا أوجب أحد المتعاقدين البيع فالآخر بالخيار إن شاء قبل في المجلس وإن شاء رده ما دام لم يصدر من صاحب الإيجاب ما يدل على تغير إراداته في المجلس [2] أي أن صاحب الإيجاب يستطيع الرجوع عن إيجابه ما دام المجلس لم ينفض ولم يصدر قبول من الطرف الآخر ويبدو لي أنهم لهذا السبب (وهو عدم اعترافهم بخيار المجلس) لم يجيزوا
(1) نقلًا عن البدائع للكاساني 5/ 134.
(2) الهداية 3/ 17.