أقوى من اللفظ من ناحية البقاء بعد الصدور مدة طويلة، ولذلك ندب الله تعالى المؤمنين إلى توثيق ديونهم بالكتابة مما يدل على قوتها ووصفها الحق تبارك تعالى بأنها أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى إلى عدم الريبة [1] .
49-تحديد مكان وزمان العقد بالرسالة:
يثير العقد بالرسالة مسألة هامة وهي مكان وزمان انعقاد العقد، لأن المتعاقدين يبرمان العقد في مكانين مختلفين كما يختلف بالضرورة زمن الإيجاب عن زمن القبول والظاهر من كلام جمهور الفقهاء هو أن العبرة بإعلان القبول من القابل حينما يتصل الإيجاب بعلمه عن طريق قراءة الرسالة أو سماع كلام الرسول، جاء في حاشية ابن عابدين: [صورة الكتابة أن يكتب أما بعد فقد بعت عبدي فلانًا منك بكذا فلما بلغه الكتاب قال في مجلسه ذلك اشتريت تم البيع بينهما] [2] وجاء في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: [قوله بما يدل على الرضا) أي السبب وجود ما يدل على الرضا من العاقدين ... (قوله بما يدل) أي عرفًا سواء دل على الرضا أو لا، فالأول كبعت واشتريت وغيره من الأقوال والثاني كالكتابة والإشارة والمعاطاة] [3] ويلاحظ أن المالكية هنا لم يذكروا صراحة ما ذكره الحنفية ولكنه مفهوم من سياق الكلام وهو دلالة الرضا من القابل. وجاء في مغني المحتاج للشربيني: [أما الرسالة فهي أن يرسل رسولًا إلى رجل فذهب الرسول وبلغ الرسالة فقال المشتري في مجلسة ذلك قبلت انعقد العقد] [4] وجاء فيكشاف القناع: [وإن كان المشتري غائبًا عن المجلس فكاتبه البائع أو راسله أني بعتك داري بكذا أو أني بعت فلانًا داري بكذا فلما بلغه (أي المشتري) الخبر قبل البيع صح العقد] [5] .
ولكن يجب أن يلاحظ هنا أمرًا هامًا وهو أنه في حالة التعاقد بين حاضرين يسمع الموجب قبول القابل، وأما في حالة التعاقد بين غائبين يقاس على التعاقد بين حاضرين فكان الأولى
(1) آية الكتابة في سورة البقرة 282.
(2) نقلًا عن الحاشية 4/ 512.
(3) نقلًا عن حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير 3/ 3 وما بعدها.
(4) مغني المحتاج 2/ 5.
(5) نقلًا عن الكاشف 3/ 148.