الآخرين أفرادًا وجماعات، سواء أكان التّعدي مبتدءًا أو كان صاحبه منتصرًا، فإذا جاوز الحدّ في الانتصار فهو باغ. وقوله تعالى: {بِغَيْرِ الْحَقِّ} زيادة بيان، إذ لا يتصور بغي بغير حق لأن ما كان بحق فلا يسمى بغيا [1] . وقال جل في علاه: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (العنكبوت: 17) . وقال أيضًا: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} (سبأ: 39) . وأما النصوص النبوية الصحيحة: فعَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِقُ المصْدُوقُ، قَالَ: (( إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجَنَّةِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ ) ) [2] . وعن عبد الله بن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إنّ روحَ القُدسْ نفثَ في روعي إنَّ نفسًا لن تموت حتى تستكملَ رزقها، ألا فاتقوا الله وأجمِلوا في الطلب، ولا يحملنّكم إستبطاء الرزق أنّ تطلبوه بمعاصي الله، فإنهُ لا يُدرك ما عندَ الله إلَّا بطاعته ) ) [3] .
إن وجوب الإيمان بالقدر كما دل على ذلك الحديث المتقدم، سواء تعلق بالأعمال أو بالأرزاق والآجال لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرنا في هذا الحديث أن كل إنسان يكتب عليه قدره في بطن أمه، والقدر نوعان:
الأول: قدر حتمي ليس للعبد فيه كسب واختيار، وهو ما يتعلق بالأرزاق والآجال، والصحة والمرض، ونحوها، وكذلك الاستعدادات الفطرية، والمواهب والقدرات البشرية، من ذكاء وفطنة ونحوها، فإنها كلها حتمية لا حيلة فيها للإنسان ولا اختيار له فيها، ولا يقع تحت مسؤوليته.
(1) انظر: التفسير الوسيط للزحيلي 1/ 653.
(2) أخرجه البخاري 4/ 111 برقم (3208) ، ومسلم 4/ 2036 برقم 1 - (2643) ، وغيرهما.
(3) أخرجه البزار في مسنده 7/ 314 برقم (2914) ، وانظر: صحيح الجامع الصغير وزياداته 1/ 419 برقم (2085) . وروح القدس: هو جبريل عليه السلام، ومعنى (في رَوعي) : أي أخبرني بالوحي.