وبهذا فإن الكسب الحرام هو من المقدرات على العبد ليس على سبيل الإلزام والحتم كالرزق الحلال، بل هو ممنوع عليه، ويحاسب عليه ويعاقب، والله لا يتوب عليه حتى يتخلص منه بأي شكل من الأشكال.
المطلب الثاني:
التصرف بالمال الحرام
اعلم أن طريق التخلص من المال الحرام يكون بأحد أمرين؛ الأول: هو التصدق به على الفقراء والمساكين واليتامى إن تعذر وجود صاحبه بنية التخلص من المال الحرام، والثاني: هو رد المال إلى صاحبه الأول بشرط أنه يستطيع تمييز المال الحرام عن الحلال ويعرف صاحبه،، وعلى هذين مدار فتاوى العلماء قديمًا وحديثًا وتفصيل الأمرين:
الأمر الأول: التخلص من المال الحرام بإنفاقه في وجوه الخير:
ويكون هذا التصرف في حالة عدم إمكان تمييز الجزء الحلال من هذا المال عن غيره، بشرط جواز رد ذلك المال إلى صاحبه، وشرط هذا الجواز أن لا يكون أخذه مقابل منفعة محرمة. ومما يدل على هذا الأمر: ما رواه أبو داود بإسناده قال: أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ، مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَنَازَةٍ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْقَبْرِ يُوصِي الْحَافِرَ: (( أَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ، أَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ) )، فَلَمَّا رَجَعَ اسْتَقْبَلَهُ دَاعِي امْرَأَةٍ فَجَاءَ وَجِيءَ بِالطَّعَامِ فَوَضَعَ يَدَهُ، ثُمَّ وَضَعَ الْقَوْمُ، فَأَكَلُوا، فَنَظَرَ آبَاؤُنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلُوكُ لُقْمَةً فِي فَمِهِ، ثُمَّ قَالَ: (( أَجِدُ لَحْمَ شَاةٍ أُخِذَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ أَهْلِهَا ) )، فَأَرْسَلَتِ الْمَرْأَةُ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرْسَلْتُ إِلَى الْبَقِيعِ يَشْتَرِي لِي شَاةً، فَلَمْ أَجِدْ فَأَرْسَلْتُ إِلَى جَارٍ لِي قَدِ اشْتَرَى شَاةً، أَنْ أَرْسِلْ إِلَيَّ بِهَا بِثَمَنِهَا، فَلَمْ يُوجَدْ، فَأَرْسَلْتُ إِلَى امْرَأَتِهِ