نقول عن زماننا وقد صار الحرام أكثر ما في أيدي الناس لفساد المعاملات وإهمال شروطها وكثرة الرِّبا وأموال الحكام الظلمة وتعدد وسائل الكسب الحرام.
لهذا لا يمانع الشرع الحنيف من الكسب المشروع المختلف، حتى وإن كان المال قناطير مقنطرة، ولكن إذا شابهه حرام فيجب تركه وعدم مخالطته، فهذا هو المقصود من التورع والتنزه، وتمام الورع الاقتصار على المباح. قال تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} (الزخرف: 32) .
المطلب الثاني:
صور المال الحرام
إن أكل المال بالباطل كانت منتشرة في الجاهلية قبل الإسلام، بل كان أكثر أحوالهم المالية كان من الإغارة، ومن الميسر، ومن غصب القوي مال الضعيف، ومن أكل الأولياء أموال النساء واليتامى، ومن بيع الغرر والمقامرة، ومن الرِّبا ... ونحو ذلك، وكل ذلك من الباطل [1] .
ومن المعلوم أن المال قوام الحياة المعيشية، وأساس تقدم الدول والجماعات عليه، فبه تنهض الأمم، وهو المعوَّل عليه في الحرب والسلم، وبناء النهضات والحضارات، لذا صانه الإسلام، وجعل تحركه وانتقاله بين الناس مرهونًا بالحق والعدل، فلا غش ولا غبن، ولا ظلم ولا استغلال ولا اغتصاب، ولا يجوز لأحد أن يأخذ مال أحد إلَّا بإذنه ورضاه [2] .
ومن هنا - ولما كانت الأموال عزيزة عند أهلها - قال الله عز وجل: {وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ} (محمد: 37) ، فقوله عز وجل: {وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ} ، معناه: أي: ولا يسألكم ربكم أموالكم كما قال ابن جرير (رحمه الله) [3] ، لأن الله عز
(1) التحرير والتنوير 2/ 184.
(2) التفسير الوسيط للزحيلي 1/ 92.
(3) التفسير الوسيط للزحيلي 22/ 190.