وجل لا يريد أن يكلفنا ما يشق علينا، ويعنتنا من أخذ أموالنا، وبقائنا بلا مال، أو ينقصنا نقصًا يضر بنا، فتأمل كيف حرص الشارع الحكيم على حفظ الأموال وصيانتها.
واليوم انتشر الكسب الحرام في مجتمعنا الإسلامي بشكل لا يتصور، وتعددت صوره وأشكاله، لذا كان من الواجب علينا في هذه الرسالة الدعوية أن نبين بعض صوره وكما تيسر لنا ذلك، وهي:
الصورة الأولى: التكسب الحرام من (المعاملات الرَّبويَّة) : حرم الله ورسوله الرِّبا بكل أشكاله وصوره، كربا النسيئة، وربا الفضل، وبيع العينة [1] ... ، ولعن آكِلَهُ، وكاتِبَهُ، وشاهِدَيْه؛ لعموم الآدلة، كقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (البقرة: 278) .
نعم لقد غلب حبُّ المال على قلوب بعض المسلمين، فصاروا يتسابقون على شراء أسهم البنوك الرِّبويَّة، وآخرون يودعون أموالهم في تلك البنوك، ويأخذون عليها زيادة يسمونها (فوائد) . وإن من الجرائم العظيمة والأمور الخطيرة: ما نشاهده من تسابق أهل هذه البنوك، بوضع شتَّى الطرق والحِيَل؛ لإيقاع الناس في الرِّبا، وترغيبهم بشتَّى الوسائل؛ لتزداد أرصدتهم من هذه الأموال الخبيثة.
فالرِّبا ممحوق البركة، منزوع الخير، قال تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} ، وهو من أشد الرزايا على المجتمعات، سواء أكان مع الأفراد أم البنوك أم المؤسسات، فآكل الربَّا قد أعلن الله عز وجل وكذلك رسوله الحرب عليه بنص قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون} (البقرة: 278 و 279) ، فكيف بمن يأكل الربَّا أضعافًا مضاعفة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ، فالرِّبا حرام بكل أشكاله، وجميع تعاملاته، قليله وكثيره سواء، قال تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} ، وكذلك جاء التحذير النبوي، فعن جابر رضي
(1) يعرف بيع العينة بأنّه: أن يبيع شيئًا من غيره بثمن مؤجّل ويُسلِّمه إلى المشتري، ثمّ يشتريه قبل قبض الثّمن بثمن نقد أقل من ذلك القدر. فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: (( إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزّرع، وتركتم الجهاد، سلّط الله عليكم ذُلًاّ لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم ) )أخرجه أبو داود في سننه عن ابن عمر 3/ 274 برقم (3462) ، وصححه الألباني، وقد أشار إلى عدم جواز بيع العينة مجموعة من العلماء، منهم: الإمام مالك بن أنس، والإمام أحمد، والإمام أبو حنيفة، والهادويّة، وبعض من الشّافعية.