الصفحة 14 من 167

لهذا جاء الوعيد الرباني بالعذاب الشديد لهؤلاء المارقين، قال الله تعالى {وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ} (يونس: 60) .

قال سيد قطب: (وصيغة الغائب تشمل جنس الذين يفترون على الله الكذب وتنتظمهم جميعًا .. فما ظنهم يا ترى؟ ما الذي يتصورون أن يكون في شأنهم يوم القيامة!! وهو سؤال تذوب أمامه حتى الجبلات الصلدة الجاسية!) [1] .

إذن فليحذر هؤلاء عن الافتراء على الله سبحانه بتحليل ما حرم الله لغايات ضآلة في أنفسهم، وهذا الافتراء يفعله القرآنيون الجدد الذين يفسرون آيات الله عز وجل كما يحلو لهم، ليحققوا لهم رغبات شهوانية ودنيوية، ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم وأقوم وأفضل من شبهاتهم وضلالهم وإنا لله وإنا إليه راجعون.

المطلب الرابع:

بين الغفلة والهوى

إن الذين لا يحسبون لليوم الآخر أي حساب، ولا يخافون الجزاء الذي أعده الله لهم، وقد ران على قلوبهم الإثم والمعصية. إن هؤلاء إنما يتنافسون في مال أو متاع من متاع الدنيا الزهيد، يريد كل منهم أن يسبق إليه، وأن يحصل على أكبر نصيب منه، ثم يظلم ويفخر ويأثم ويرتكب في سبيل متاع من متاع الدنيا زائل.

نعم هؤلاء يتنافسون في عرض زائل زهيد سيكون وبالًا وسوءً عليهم، إنما كان من باب أولى أن يتنافسوا فيما هو خير وبركة، لأجل أن ينفعهم في دنياهم وآخرتهم، قال تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} (المطففين: 22 - 26) . فهو مطلب يستحق المنافسة وهو أفق يستحق السباق، وهو غاية تستحق الغلاب. والذين يتنافسون في شيء من أشياء الدنيا الفانية مهما عظم وكبر وارتفع، إنما يتنافسون في حقير فَانٍ، فإن ما في الدنيا جميعًا لا يزن

(1) في ظلال القرآن 3/ 1802.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت