تزاولونها من عند أنفسكم: {قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} .. إنها القضية التي يتكرر ذكرها في القرآن الكريم وتواجه بها الجاهلية بين الحين والحين .. ذلك أنها القضية الكبرى التالية لشهادة أن لا إله إلَّا الله. بل إنها هي هي في حالة التطبيق الواقعي في الحياة ولقد كان الجاهليون العرب يزعمون - كما يزعم اليوم ناس ممن يسمون أنفسهم (المسلمين) - أن هذا الذي يزاولونه من التحريم والتحليل إنما أذن لهم به الله. أو كانوا يقولون عنه: شريعة الله! وقد ورد في سورة الأنعام ادعاؤهم أن هذا الذي يحرمونه وهذا الذي يحلونه شرعه الله .. وذلك في قوله تعالى: {وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها، وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ} .. فهم كانوا يقولون: إن الله يشاء هذا، ولا يشاء هذا .. افتراء على الله .. كما أن ناسًا اليوم يدعون أنفسهم (مسلمين) يشرعون من عند أنفسهم ثم يقولون: شريعة الله! والله يجبههم هنا بالافتراء، ثم يسألهم ماذا تظنون بربكم يوم القيامة وأنتم تفترون عليه) [1] .
لهذا نجد بعضًا من الموظفين الحكوميين، وكذلك بعضًا من أصحاب النفوس الضعيفة من عامة الناس يحلُّون لأنفسهم أخذ أموال الدولة بأي شكل من الأشكال، ويزعمون أنها حصتهم ونصيبهم من مكتسباتها، لأن الحكومة - كما يزعمون - قد قصَّرت في حقهم ومنعتهم إياها. وهم بهذا يجيزون لأنفسهم أخذها والانتفاع بها.
وهناك صنف آخر منهم يستولي على متاع وأثاث المؤسسات الحكومية في الأزمات، وآخر يستولي على سلاح دوائر الشرطة والجهات الأمنية ويقوم ببيعها والمتاجرة بها. وآخر يستولي على خزائن المصارف المالية من ذهب وأوراق نقدية وسندات، وآخر يستولي على الأراضي الأميرية ومنشآتها. وهذا ما حدث فعلًا في بعض البلاد العربية والإسلامية التي احتلها الأعداء المارقين.
وهم بهذا يحلُّون الحرام ويحرمون الحلال، وكذلك نجد بعض المصارف والمرابين والتجار الذين لا يعرفون للحلال شرعًا ولا للحرام منعًا يصدرون سندات تتعامل بالرِّبا وبأشكال مختلفة ومغرية تحت شعارات ما أنزل الله بها من سلطان. وهذا هو الحرام بعينه.
(1) في ظلال القرآن 3/ 1801.