الْبَهَائِمَ، وَلَا تُوصَفُ بِأَنَّهَا تَمْلِكُ، وَلَا بِأَنَّهُ أَبَاحَ اللَّهُ ذَلِكَ لَهَا إبَاحَةً شَرْعِيَّةً؛ فَإِنَّهُ لَا تَكْلِيفَ عَلَى الْبَهَائِمِ - وَكَذَلِكَ الْأَطْفَالُ وَالْمَجَانِينُ - لَكِنْ لَيْسَ بِمَمْلُوكِ لَهَا وَلَيْسَ بِمُحَرَّمِ عَلَيْهَا. وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ: بَعْضُ الَّذِي يَتَغَذَّى بِهِ الْعَبْدُ، وَهُوَ مِنْ الرِّزْقِ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ يَتَغَذَّى بِهِ، وَقَدَّرَ ذَلِكَ؛ بِخِلَافِ مَا أَبَاحَهُ وَمَلَّكَهُ. كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (( يُجْمَعُ خَلْقُ أَحَدِكُمْ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُبْعَثُ الْمَلَكُ، فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: فَيُقَالُ: اُكْتُبْ رِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَعَمَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، قَالَ: فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلَهَا وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلَهَا ) ). وَالرِّزْقُ الْحَرَامُ مِمَّا قَدَّرَهُ اللَّهُ، وَكَتَبَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، وَهُوَ مِمَّا دَخَلَ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ وَخَلْقِهِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ قَدْ حَرَّمَهُ وَنَهَى عَنْهُ؛ فَلِفَاعِلِهِ مِنْ غَضَبِهِ وَذَمِّهِ وَعُقُوبَتِهِ مَا هُوَ أَهْلُهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) [1] .
بعد ما تقدم من النصوص والفتاوى، فإن المال الحرام هو مما قدره الله وكتبته الملائكة، وهو مما دخل تحت مشيئة الله وخلقه، وهو مع ذلك قد حرمه ونهى عنه، فعلى هذا فإن الله عز وجل يغضب ويعاقب صاحبه لأنه لا يملكه فهو ملك غيره، بينما الرزق الحلال مقدر من الله سبحانه على الإنسان وهو في بطن أمه لم يخرج للدنيا بعد، فلا يزيد ولا ينقص للحديث الذي رواه عبد الله بن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إنّ روحَ القُدسْ نفثَ في روعي إنَّ نفسًا لن تموت حتى تستكملَ رزقها، ألا فاتقوا الله وأجمِلوا في الطلب، ولا يحملنّكم إستبطاء الرزق أنّ تطلبوه بمعاصي الله، فإنهُ لا يُدرك ما عندَ الله إلا بطاعته ) ) [2] ، والحديث معناه أن جبريل عليه السلام جاء الى النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبره أنه لا يموت ابن ادم حتى يستوفي ويأخذ كل ما كتب الله له من الرزق، وإن استبطئ الرزق فلا يطلبه بمعاصي الله، لأن المال الذي يأتيه من الحرام ليس من رزقه، قال الله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (العنكبوت: 60) .
(1) موقع الإسلام سؤال وجواب للشيخ محمد صالح المنجد.
(2) الحديث سبق تخريجه.