وأعلم يا مَنْ تأخذُ المال من غير حلِّه أن التوبة ليست سهلة ولا بسيطة لاسيما على من أخذ مالًا كثيرًا كثيرًا. إنما يتقبل الله عز وجل توبة آكل الحرام وذلك بالتخلص من كل مال أكتسبه وكل ما نتج عنه حتى وإن كان عود أراك أو قناطير مقنطرة، وذلك بإعادته إلى أهله الشرعيين سواء أكانت دولة أم كانوا أشخاصًا. وإن أخطأ الحساب فعليه أن يجتهد ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. وأن يستغفر الله عز وجل كثيرًا على تقصيره ويطلب عفوه ومغفرته وأن يسامحه عما دخل في جوفه من حرام أو لبس حرامًا أو اقتنى من أثاث ومتاع حرام، وأن يندم على ذلك ندمًا شديدًا، وأن يعزم على أن لا يعود لمثله مستقبلًا. وأن يبقى مع الله منكسر الفؤاد والخضوع التام، فإذا عملت بهذا فستتحقق شروط التوبة المطلوبة، وبقي عفو الله على أن تبقى بين الرجاء والخوف حتى تموت.
ولكن يا حسرة على هؤلاء الذين تتاح لهم فرصة النجاة فيعرضون عنها، ويفتح الله عز وجل لهم باب التوبة، ولكنهم يتجافون عنه وهو يناديهم {اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ} (الشورى: 47) .
قال الإمام الذهبي: (أَيْن من حصن الْحُصُون المشيدة واحترس وَعمر الحدائق فَبَالغ وغرس وَنصب لنَفسِهِ سَرِير الْعِزّ وَجلسَ وَبلغ الْمُنْتَهى وَرَأى الملتمس وَظن فِي نَفسه الْبَقَاء وَلَكِن خَابَ الظَّن فِي النَّفس أزعجه وَالله هازم اللَّذَّات واختلس ونازله بالقهر فأنزله عَن الْفرس وَوجه بِهِ إِلَى دَار الْبلَاء فانطمس وَتَركه فِي ظلام ظلمَة من الْجَهْل والدنس فالعاقل من أباد أَيَّامه فَإِن العواقب فِي خلس ينظر تبني وَتجمع والْآثَار تندرس) [1] .
فهذه رسالة تتضمن عدة فقرات مهمة تدعو هذا الصنف من الناس على ترك المال الحرام والتخلص منه بأي شكل من الأشكال، فهو كالأفعى الكبيرة السامة إذا لم تقضِ عليها فستصيبك بسمها القاتل، وإن تخلصت منها فستنجو. فسمعة من أكل المال الحرام سيئة وسط الشرفاء من القوم، وأينما ذهب يذمونه ويمقوتنه والعياذ بالله، وليس شيءٌ أحسن من نزاهة المرء حتى وإن كان فقيرًا وضيع الحال.
أقول بدعائي: اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغنِنا بفضلك عمَّنْ سواك.
(1) الكبائر للذهبي ص 116.