عليه وسلم مجن، وغل واحد في الغنيمة عباءة، لم يمتنع أحد من شراء المجان والعباء في الدنيا، وكذلك كل ما سرق، وكذلك كان يعرف أن في الناس من يربي في الدراهم والدنانير، وما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا الناس الدراهم والدنانير بالكلية. وبالجملة إنما تنفك عن الحرام إذا عصم الخلق كلهم عن المعاصي، وهو محال .... فإن قلت: فكل عدد محصور في علم الله، فما حد المحصور ? ولو أراد الإنسان أن يحصر أهل بلد لقدر عليه أيضًا إن تمكن منه، فاعلم أن تحديد أمثال هذه غير ممكن، وإنما يضبط بالتقريب. فنقول: كل عدد لو اجتمع على صعيد واحد لعسر على الناظر عدهم بمجرد النظر، كالألف والألفين فهو غير محصور، وما سهل كالعشرة والعشرين فهو محصور، وبين الطرفين أوساط متشابهة تلحق بأحد الطرفين بالظن، وما وقع الشك فيه استفتى فيه القلب، فإن الإثم حزاز القلوب. وفي مثل هذا المقام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوابصة: (( استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك وأفتوك ) ) [1] .... ).
القسم الثالث: أن يختلط حرام لا يحصر بحلال لا يحصر:
ثم ذكر القسم الأخير فقال: (كحكم الأموال في زماننا هذا، فالذي يأخذ الأحكام من الصور قد يظن أن نسبة غير المحصور كنسبة المحصور إلى المحصور، وقد حكمنا ثم بالتحريم، فلنحكم هنا به، والذي نختاره خلاف ذلك: وهو أنه لا يحرم بهذا الاختلاط أن يتناول شيء بعينه احتمل أنه حرام وأنه حلال، إلَّا أن يقترن بتلك العين علامة تدل على أنه من الحرام، فإن لم يكن في العين علامة تدل على أنه من الحرام فتركه ورع وأخذه حلال لا يفسق به آكله. ومن العلامات: أن يأخذه من يد سلطان ظالم، إلى غير ذلك من العلامات .... ، ويدل عليه الأثر والقياس، فأما الأثر:
(1) نص الحديث كما في مسند الإمام أحمد 29/ 532 برقم (18006) : عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مِكْرَزٍ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ قَالَ حَدَّثَنِي جُلَسَاؤُهُ وَقَدْ رَأَيْتُهُ عَنْ وَابِصَةَ الْأَسَدِيِّ، - قَالَ عَفَّانُ: حَدَّثَنِي غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَمْ يَقُلْ: حَدَّثَنِي جُلَسَاؤُهُ - قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ لَا أَدَعَ شَيْئًا مِنَ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ إِلَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَسْتَفْتُونَهُ، فَجَعَلْتُ أَتَخَطَّاهُمْ، فَقَالُوا: إِلَيْكَ يَا وَابِصَةُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فُقُلْتُ: دَعُونِي فَأَدْنُوَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ أَنْ أَدْنُوَ مِنْهُ، قَالَ: (( دَعُوا وَابِصَةَ، ادْنُ يَا وَابِصَةُ ) )مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، قَالَ: فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: (( يَا وَابِصَةُ أُخْبِرُكَ أَمْ تَسْأَلُنِي؟ ) )قُلْتُ: لَا، بَلْ أَخْبِرْنِي، فَقَالَ: (( جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ ) )فَقَالَ: نَعَمْ، فَجَمَعَ أَنَامِلَهُ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهِنَّ فِي صَدْرِي، وَيَقُولُ: (( يَا وَابِصَةُ اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، وَاسْتَفْتِ نَفْسَكَ(ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) ، الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ )). والحديث إسناده ضعيف من أجل الزبير أبي عبد السلام، وهو منقطع بينه وبين أيوب كما صرح في الإسناد. ورواه أيضًا ابن أبي شيبة في مصنفه 2/ 259 برقم (753) ، والدارمي 3/ 1649 برقم (2575) وغيرهم.