الصفحة 124 من 156

إن هذا الصحابي الجليل لم يتغير قلبه لتعذير النبي صلى الله عليه وسلم له، ولم تخور عزيمته أو يتزعزع إيمانه أمام ما جاءه من إغراء من أعداء الله تعالى.

2 -سلطان العلماء وبائع الأمراء العز بن عبد السلام: إن حياة العز بن عبد السلام زاخرة بالمواقف التي ينحني الزمان أمام عظمتها وروعتها. فلم تأخذه في الحق لومة لائم، ولم يخور له عزم، ولم تلين له قناة أمام التصدي لتراكمات وموروثات من الفساد في عصره.

-إن العز بن عبد السلام هو الذي تصدى بفتواه للخونة الذين كانوا يقومون ببيع السلاح للصليبيين في ذلك الوقت حيث أنهم كانوا لا يزالون يحتلون أجزاء من بلاد الشام، بعد أن ثبت عنده أن هذه الأسلحة يستخدمها الفرنج في محاربة المسلمين. وبالرغم أن هذه الفتوى ترتب عليها منعه من الفتوى ومنعه من الخطابة إلا أنه لم يرضخ ولم يتراجع ولم يداهن.

3 -السلطان عبد الحميد الثاني: حاول"تيودور هرتزل"مساومة السلطان عبد الحميد وإغرائه بالمال مقابل أن يسمح لأفواج المهاجرين اليهود أن تسافر إلى فلسطين والسماح لهم بإقامة مستوطنات بها. فما كان من السلطان عبد الحميد إلا أن رد ردًا حاسمًا ومزلزلًا على هذا الطلب وكتب رسالة قال فيها:"انصحوا الدكتور هرتزل بألا يتخذ خطوات جدية في هذا الموضوع، فإني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من أرض فلسطين، فهي ليست ملك يميني، بل ملك الأمة الإسلامية، ولقد جاهد شعبي في سبيل هذه الأرض ورواها بدمه، فليحتفظ اليهود بملايينهم، وإذا مزقت دولة الخلافة يومًا فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن، أما وأنا حيّ فإن عمل المبضع في بدني لأهون عليَّ من أن أرى فلسطين قد بترت من دولة الخلافة، وهذا أمر لا يكون. إني لا أستطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة".

نتيجة لهذا الرفض القاطع تمت المؤامرات اليهودية ضد السلطان عبد الحميد إلى أن تمكنوا من استصدار أمر بعزل السلطان عبد الحميد وعزله وإحاطته بحراسة مشددة بعد أن جُرّد من كل ممتلكاته إلى أن توفي في 10 فبراير 1918 م عن عمر يناهز 76 عامًا.

إن هذه الأمانة وعدم الانصياع لمطالب الخيانة جعلت العلماء والمفكرين ورجال السياسة يُمجدون السلطان عبد الحميد بأحرف من نور ستظل باقية ما بقي الزمان.

-يقول جمال الدين الأفغاني في حق السلطان عبد الحميد:"إنّ السلطان عبد الحميد لو وُزِن مع أربعة من نوابغ رجال العصر لرجحهم ذكاءً ودهاءً وسياسة".

-وأنصفه البطريرك الماروني إلياس الحويك قائلًا:"لقد عاش لبنان وعاشت طائفتنا المارونية بألف خير وطمأنينة في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، ولا نعرف ماذا تخبئ لنا الأيام بعده".

-هذه ما هي إلا نماذج من أناس عرفوا معنى الأمانة التي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها والخير في هذه الأمة موصول إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.

ثامنًا: أقوال مأثورة عن الخيانة: لفداحة هذه الآفة وشناعتها وبشاعتها توارثت الأجيال أقوالًا وحِكمًا وأمثالًا للتحذير منها ومن مَغبة الوقوع فيها أو التلطخ بأوحالها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت