والمال القليل، وأشْباههم في أقطار الأرض، فعلمت أنَّ ربي سيَسألُني عنهم يوم القيامة، وأنَّ خَصمي دُونهم محمدٌ - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى الله تعالى، فخشيت ألا تثبت حُجَّتي عند الخصومة، فرحمت نفسي فبكيت"."
13 -كان المبارك عبدًا رقيقًا يشتغلُ أجيرًا عند صاحب بستان، وفي ذات يومٍ خرَج صاحبُ البستان مع أصحابٍ له إلى البستان وقال للمُبارك: ائتِنا برمَّان حلو، فقطف المبارك رمانات ثم قدَّمَها إليهم، فإذا هي حامضةٌ، فقال صاحب البستان: أنت ما تعرف الحلو من الحامض؟ قال المبارك: لم تأذَنْ لي أنْ آكُل حتى أعرف الحلو من الحامض، فقال له: أنت من كذا وكذا سنة تحرسُ البستان وتقول هذا! وظَنَّ أنَّه يخدعه، فسأل الجيران، فقالوا: ما أكَل رمانة واحدة.
-سُرَّ صاحب البستان من المبارك وما كان منه إلا أن كافئه وزوجه ابنته وأنجب منها عبدالله بن المبارك الذي صار من علماء المسلمين وأئمتهم.
14 -جاء في سير أعلام النبلاء: قال أبو المظفَّر سِبط ابن الجوزي:"حكى ابن عقيل عن نفسه قال: حججت، فالتقطت عقْدَ لؤلؤٍ في خَيْطٍ أحمرَ، فإذا شيخ أعمى ينشده، ويبذل لملتقطه مائة دينار، فرددته عليه، فقال خُذِ الدنانير، فامتنعتُ، وخرجت إلى الشام، وزُرْتُ القدسَ وقصدت بغداد، فأويت بحلب إلى مسجد وأنا بردان جائع، فقدَّموني فصلَّيْتُ بهم، فأطعَموني، وكان أوَّل رمضان، فقالوا: إمامُنا تُوفِّي فصَلِّ بنا هذا الشهر، ففعلتُ، فقالوا: لإمامنا بنتٌ، فزُوِّجتُ بها، فأقمتُ معها سنةً، وأولدتها ولدًا ذكرًا، فمرِضَتْ في نِفاسها، فتأمَّلتُها يومًا فإذا في عُنُقِها العقدُ بعينه بخيطِه الأحمر، فقلتُ لها: لهذا قصة، وحكيت لها، فبكَتْ، وقالت: أنت هو، والله لقد كان أبي يبكي، ويقول: اللهمَّ أرزق بنتي مثل الذي ردَّ العقْدَ عليَّ، وقد استَجاب الله منه، ثم ماتت، فأخذت العقد والميراث، وعُدْت إلى بغداد".
-هذه كما ذكرنا مجرد أمثلة فقط إنما حياة الصحابة والتابعين بها من المواقف في هذا الجانب أكثر من أن تُحصى.
-خامسًا: أقوال في منظومة الأمانة في الإسلام: لعظم صفة الأمانة لم تخلوا الأدبيات الإسلامية من الأقوال والحكم والمأثورات التي وإن دلت على شيء فإنما تدل على انشغال هذه الأمة بهذه التبعة العظيمة، وحرصها على هذه الصفة.
1 -قال أبو بكر الصِّديق رضي الله عنه:"أصدق الصِّدق الأمَانَة، وأكذب الكذب الخيانة".
-وقال أيضًا:"أكيس الكيس التقوى، وأحمق الحمق الفجور، وأصدق الصدق الأمانة، وأكذب الكذب الخيانة".
2 -قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"لا يعجبكم من الرجل طنطنته، ولكن من أدى الأمانة وكف عن أعراض الناس، فهو الرجل".
3 -قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:"من ضيع الأمانة ورضي بالخيانة فقد تبرأ من الديانة".
-وقال أيضًا:"أداء الأمانة مفتاح الرزق".
4 -قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما:"لم يرخِّص الله لمعسر ولا لموسر أن يمسك الأمَانَة".
5 -قال أُبَيِّ بن كعبٍ رضِي الله عنه:"من الأمانة أنَّ المرأة اؤتمنت على فَرْجِها".
6 -عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"أوَّل ما يرفع مِن هذه الأمَّة الحياء والأمَانَة، فسلوها الله".
7 -عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:"القتل في سبيل الله كفَّارة كلِّ ذنب إلَّا الأمَانَة، وإنَّ الأمَانَة الصَّلاة والزَّكاة والغسل مِن الجنابة والكيل والميزان والحديث، وأعظم مِن ذلك الودائع".