ثالثًا: منظومة الأمانة في السُّنَّة النَّبويَّة المطهرة: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغت أمانته مداها في حياته كلها وهذه صفة الأنبياء والمرسلين فهو صلى الله عليه وسلم جاء على درب يوسف عليه السلام وأمانته مع ملك مصر، ودرب موسى عليه السلام وأمانته مع بنات شُعيب عليه السلام. فمنهجهم جميعًا - عليهم السلام - إنما جاء من مِشكاة واحدة.
-فلقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أمينًا في مال السيدة خديجة رضي الله عنها وتجارتها قبل البعثة.
-ولقد كان أمينًا على أموال قريش، فبالرغم من معاداتهم له صلى الله عليه وسلم إلا أنهم لم يجدوا غيره ليستأمنوه على ودائعهم وأماناتهم.
-ولقد حسم النبي صلى الله عليه وسلم النزاع بين القبائل عندما اختلفوا فيمن ينال شرف وضع الحجر الأسود فلمَّا رأوه صلى الله عليه وسلم قالوا: هذا الأمين، رضينا، هذا محمَّد، فلمَّا انتهى إليهم، وأخبروه الخبر، قال عليه الصَّلاة والسَّلام:"هلمَّ إليَّ ثوبًا"، فأُتِي به، فأخذ الركن، فوضعه فيه بيده، ثمَّ قال:"لتأخذ كلُّ قبيلة بناحية مِن الثَّوب، ثمَّ ارفعوه جميعًا"، ففعلوا، حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه هو بيده، ثمَّ بنى عليه.
-عن عبد الله بن أبي الحمساء قال بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ببيع قبل أن يُبعث وبقيت له بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت ثم ذكرت بعد ثلاث فجئت فإذا هو في مكانه فقال:"يا فتى لقد شققت علي أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك". والانتظار هنا كان ليفي بالوعد وليس ليقبض ما تبقى له من مال.
-ولقد شهد أبو سفيان بن حرب قبل أن يُسلم شهد بأمانة النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال هرقل:"سألتك ماذا يأمركم؟ فزعمت أنَّه يأمر بالصَّلاة، والصِّدق، والعفاف، والوفاء بالعهد، وأداء الأمَانَة، قال: وهذه صفة نبيٍّ".
-وفي موضع آخر يقول هرقل:"وسألتك هل يغدر؟ فزعمت أن لا، وكذلك الرُّسل لا يغدرون".
-وفي فتح مكة رفض النبي صلى الله عليه وسلم انتزاع مفتاح الكعبه من عثملن بن طلحة بل رده النبي صلى الله عليه وسلم إليه وقال له:"هاك مفتاحك يا عثمان اليوم يوم برٍّ ووفاء". وفي رواية: فدعا عثمان فقال:"خذوها يا بني شيبة خالدة مُخلّدة". وفي لفظ:"تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم".
-حقيقة إن المواقف تتزاحم والمأثورات في هذا الجانب تترى ويكفينا ما تم ذكره لتسليط الضوء فقط على هذا الجانب من حياته صلى الله عليه وسلم.
-إن السنة النبوية المطهرة كذلك لم تترك مجالًا من مجالات الأمانة إلا وبينته تِبيينًا وفصلته تفصيلًا. لتنظم علاقة العباد مع خالقهم سبحانه وتعالى، ولتنظم علاقة الأفراد فيما بينهم، وكذلك لتنظم علاقة المجتمعات والشعوب فيما بينهم.
-ونسوق هنا بعضًا من هذه الأحاديث في هذا الجانب:-
1 -عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان" (رواه البخاري ومسلم) .
2 -وعن عبد الله بن عمرو عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"أربعٌ إذا كنَّ فيك فلا يضرَّنَّك ما فاتك مِن الدُّنْيا: صِدْق حديث، وحِفْظ أمانة، وحُسْن خليقة، وعفَّة طُعْمة" (رواه أحمد) .