فهرس الكتاب
أجيب: بأنه يحتمل أن يكون استند في ذَلِكَ إلى ظنه، أو إلَى صريح قول الحاضرين.
قُلْت: وهذا الثاني أولى، فقد جاء كذلك في رواية عُثْمَان بن غِيَاث ففيها:"فنظر القوم بعضهم إلَى بعض، فقالوا: ما نعرفُ هذا" [1] .
وأفاد مُسْلِم في رواية عمارة بن القعقاع سبب ورود هذا الحديث، فعنده في أوله:"قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم: سلوني فهابوا أن يسألوه، قَالَ: فجاء رجلٌ" [2] .
ووقع في رواية ابن منده من طريق يزيد بن زُرَيْع، عن كَهْمَس:"بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب إذ جاء رجلٌ" [3] . فكأن أمرَهُ لهم بسؤاله وقع في خطبته، فظاهره أن مجيء الرجل كَانَ في حالة الخطبة، فإما أن يكون وافق انقضاءها أو كَانَ ذكر ذَلكَ [95 / ب] القدر جالسًا، وعبر عنه الراوي بالخطبة.
قوله: (فقال) زاد في التفسير:"يا رسول الله! ما الإيمان؟" [4] .
فإن قيل: فكيف بدأ بالسؤال قبل السلام؟
أجيب: بأنه يحتمل أن يكون ذَلكَ مبالغة في تعمية أمره، أو يبين أن ذلكَ غير واجب، أو سَلَّم فلم ينقله الراوي.
قلتُ: وهذا الثالث المعتمد، فقد ثبت في رواية أبي فَرْوة ففيها بعد قوله:"كأن ثيابه لَم يمسها دنس، حَتَّى سلم من طرف البساط، فقال: السلام عليك يا مُحَمَّد، فرد عَلَيْه السَّلام، قَالَ: أَدْنُو يا مُحَمَّد؟ قَالَ: ادن، فما زال يقول أَدْنُو مرارًا ويقول له: ادن، ونحوه في رواية عطاء، عن ابن عمر، لكن قَالَ:"السلام عليك يا رسول الله"، وفِي رواية مطر الوراق:"فقال: يا رسول الله، أدنو منك؟ قَالَ: ادن"، ولَم يذكر السلام."
فاختلفت الروايات هل قَالَ له: يا مُحَمَّد، أو يا رسول الله، أو هل سلم أو لا، فقال القرطبي بناءً عَلى أنه لَم يسلم، وَقَالَ:"يا مُحَمَّد": أنه أراد بذلك التعمية، فصنع صنيع الأعراب.
(1) أخرجها الإمام أحْمَد في"مسنده" (1/ 27) .
(2) "صحيح مُسْلِم" (كتاب الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام والإحسان. . .) برقم (10) .
(3) أخرجه ابن منده في"الإيمان" (1/ 132) .
(4) "صحيح البُخَاريّ" (كتاب التفسير، سورة لقمان، باب: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} ) برقم (4777) .