-المذهب الثالث: ما ذهب إليه ابن سيّد الناس حيث جمع بين المعنيين [1] ولم يرجّح أحدهما على الآخر، فقال - بعد أن ذكر معاني الشاذ في الاصطلاح:"والذي يظهر من كلام الترمذي التوسع في ذلك، وأن تفرد المستور داخل في مسمى الشاذ." [2] ثم قال بعد ذلك- وهو يظهر تردده في الجزم بالمراد من الشذوذ في تعريف الترمذي-:"إن كان الترمذي يرى الشذوذ: تفرد الثقة أو المستور، من غير اشتراط لمخالفة ما روى الناس، كما اشترط الشافعي، فالشرطان واحد وقوله:"ويُروى من غير وجه نحو ذلك"، تفسير"
(1) وهو ما ذهب إليه الدكتور عداب الحمش في كتابه عن منهج الإمام الترمذي في جامعه، فقد تتبع إطلاق الترمذي للفظ (غير محفوظ) -والذي يُعدّ رديفاً للشاذ عند أهل الاصطلاح- على ثمانية وعشرين حديثاً، واستنتج من صنيع الترمذي أنه: استعمل هذا اللفظ استعمالاً يشمل الشاذ والمنكر أو استعمالاً يشمل كل ما يندرج تحت المخالفة وتفرد الضعفاء، ومن يلتحق بهم.
فمن أمثلة إطلاقه وصف (غير محفوظ) على مخالفة الثقات: ما أخرجه الترمذي في سننه كتاب الصلاة، باب ما جاء في الأذان بالليل، من حديث ابن عمر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( إن بلالا يؤذن بليل ... ) )... ثم قال الترمذي: وروى حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: (( أن بلالا أذن بليل، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينادي: إن العبد نام. ) )قال الترمذي: هذا حديث غير محفوظ، ... وهذا لا يصح، واستدل بقول علي بن المديني بأنه غير محفوظ، وأخطأ فيه حماد بن سلمة. 1/ 276 ح (203) . وحماد بن سلمة من الثقات. يُنظر: الذهبي، الكاشف، 1/ 349 (1220) ، ابن حجر، التقريب، 178 (1499) .
ومن أمثلة إطلاقه وصف (غير محفوظ) على مخالفة الضعيف: ما أخرجه الترمذي في سننه كتاب الحج، باب ما جاء في الاغتسال لدخول مكة، من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر قال: (( اغتسل النبي - صلى الله عليه وسلم - لدخوله مكة بفخ ) ). 2/ 200 ح (852) .
ومن أمثلة إطلاقه وصف (غير محفوظ) على تفرد الضعيف: ما أخرجه الترمذي في سننه كتاب الأحكام، باب ما جاء فيمن يكسر له الشيء ما يحكم له من مال الكاسر؟ ، من حديث سويد بن عبدالعزيز، عن حميد، عن أنس، (( استعار النبي - صلى الله عليه وسلم - قصعة فضاعت، فضمنها لهم. ) )قال الترمذي: وهذا حديث غير محفوظ، وإنما أراد عندي سويد الحديث الذي رواه الثوري. 3/ 33 ح (1360) .
وسويد بن عبدالعزيز بن نمير السلمي، أبو محمد الدمشقي، قاضي بلعبك، نقل الذهبي قول البخاري: فيه نظر لا يُحتمل، وقال ابن حجر: ضعيف. مات سنة 194 هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، 1/ 472 (2195) ، ابن حجر، التقريب، 260 (2692) .
ينظر: الحمش، الإمام الترمذي، 1/ 336 - 342.
(2) ابن سيد الناس، النفح الشذي، 1/ 244 - 245.