الوجه الخامس: أنكم فتحتم بابَ السَّفْسَطة [1] ؛ فإنَّ القدحَ في معلومات العقول ومُوجَباتها كالقدح في مُدْرَكات الحواسِّ ومُوجَباتها، فمن لجأ إلى المكابرة في المعقولات فقد فتحَ بابَ المكابرة في المحسوسات.
ولهذا كانت السَّفْسَطةُ حالًا تَعْرِض في هذا وهذا، وليست مذهبًا لأمَّةٍ من النَّاس يعيشون عليه كما يظنُّه بعض أهل المقالات [2] ، ولا يمكنُ أن تعيش أمَّةٌ ولا أحدٌ على ذلك، ولا تتمُّ له مصلحة، وإنما هي حالٌ عارضةٌ لكثيرٍ من النَّاس، وهي تكثُر وتقلُّ، وما مِنْ صاحب مذهبٍ باطلٍ إلا وهو مرتكبٌ للسَّفْسَطة شاء أم أبي، وسنذكرُ إن شاء الله فصلًا فيما بعدُ نبيِّن فيه أنَّ جميعَ أرباب المذاهب الباطلة سُوفسطائيَّة؛ صريحًا ولزومًا، قريبًا وبعيدًا [3] .
الوجه السَّادس: قولكم:"من حكمَ بأنَّ هذين الأمرين سِيَّان بالنسبة إلى عقله خَرَجَ عن قضايا العقول" [4] .
جوابه: أنكم إن أردتم بالتَّسوية كونَهما معقولان [5] في الجملة، فمِنْ
(1) كلمة يونانيةٌ معرَّبة، معناها: الحكمة المموَّهة، وتقوم على الخداع والمغالطة، وصارت في عرف المتكلمين عبارة عن جحد الحقائق. وتنقسم إلى أقسام انظر:"التعريفات" (158) ، و"المعجم الفلسفي" (1/ 658) ، و"التسعينية" (254) ، و"الصفدية" (1/ 98) ، و"منهاج السنة" (2/ 525) .
(2) انظر:"الرد على المنطقيين" (329) ، و"الرد على البكري" (1/ 178) ، و"درء التعارض" (5/ 130، 7/ 404) ، و"مجموع الفتاوى" (13/ 151) ، و"التسعينية" (252) ، و"نقض التأسيس" (1/ 322، 2/ 54) .
(3) لم أجد الفصل المشار إليه في باقي الكتاب وسائر كتب المصنف.
(4) انظر: (ص: 972) .
(5) كذا في الأصول. والصواب: معقولين. خبر كان.