وليست نفائسُ البضائع إلا لمن امتطى غاربَ الاغتراب، وطوَّف في الآفاق حتى رَضِيَ من الغنيمة بالإياب، فاستلانَ ما استَوعَره البطَّالون، وأنِسَ بما استَوحش منه الجاهلون.
فصل [1]
فأعِد النَّظر في نفسك، وحكمة الخلَّاق العليم في خَلْقِك، وانظُر إلى الحواسِّ التي منها تُشْرِفُ على الأشياء، كيف جعلها الله في الرأس [2] كالمصابيح فوق المنارة؛ لتتمكَّن بها من مطالعة الأشياء، ولم تُجْعَل في الأعضاء التي تُمْتَهنُ [3] كاليدين والرِّجلين، فتَعْرِضُ للآفات بمباشرة الأعمال والحركات، ولا جعلها في الأعضاء التي في وسط البدن كالبطن والظَّهر، فيعسُر عليها التلفُّتُ [4] والاطلاع على الأشياء؛ فلما لم يكن لها في شيءٍ من هذه الأعضاء موضعٌ كان الرأسُ أليقَ المواضع بها وأجملها [5] ، فالرأسُ [6] صومعةُ الحواسِّ [7] .
ثمَّ تأمَّل الحكمة في أنْ جعل الحواسَّ خمسًا في مقابلة المحسوسات الخمس؛ ليلقى خمسًا بخمسٍ، كي لا يبقى شيءٌ من المحسوسات لا ينالُه
(1) "الدلائل والاعتبار" (47) ،"توحيد المفضل" (21 - 22) .
(2) (ر) :"جعلت في الرأس". (ض) :"جعلت العينان في الرأس".
(3) (ض) :"تحتهن".
(4) (ن) :"التقلب". (ض) :"فيعسر تقلبها".
(5) (ت) :"وأجلها". (ض) :"كان الرأس أسنى المواضع".
(6) (ن) :"أليق المواضع بها، وجعلها في الرأس".
(7) من أمثال المولَّدين. انظر:"مجمع الأمثال" (2/ 101) .