فهرس الكتاب
ألم القتل إلا كمسِّ القَرْصَة.
ومن لم يَمُتْ بالسَّيف ماتَ بغيره ... تنوَّعت الأسبابُ والداءُ واحدُ [1]
فليس إماتةُ أوليائه شهداءَ بيد أعدائه إهانةً لهم ولا غضبًا عليهم، بل كرامةً ورحمةً وإحسانًا ولطفًا، وكذلك الغَرَقُ والحَرَقُ والهَدْمُ والتَّردِّي [2] والبَطْنُ وغيرُ ذلك، والمخلوقُ ليس بهذه المثابة، فلهذا قَبُحَ منه الإغراقُ والإهلاكُ وحَسُنَ من اللطيف الخبير.
الوجه السابع والثَّلاثون: قولكم:"إذا كان لله في إغراقه وإهلاكه سبحانه حكمةٌ وسِرٌّ لا نطَّلعُ عليه نحن، فقدِّروا مثلَه في ترك إنقاذنا الغرقى" [3] كلامٌ تغني رِكَّتُه وفسادُه عن تكلُّف ردِّه.
وهل يجوزُ أن يقال: إذا كان لله الحكمةُ البالغةُ والأسرارُ العظيمةُ في إهلاك من يهلكه وابتلاء من يبتليه، ولهذا حَسُنَ منه ذلك = فيَلْزَمُ من هذا أن يقال: يجوزُ أن يكون في تركنا إنجاءَ الغرقى ونصرَ المظلوم وسَدَّ الخَلَّة وسترَ العورة حِكَمًا وأسرارًا لا يعلمها العقلاء؟ !
والمُناكَدةُ في البُحوث إذا وصلت إلى هذا الحدِّ سَمُجَت وثَقُلَت على النُّفوس ومجَّتها القلوبُ والأسماع.
(1) البيت لابن نُباتة السعدي (ت: 405) ، في ديوانه (217) ، وترجمته من"وفيات الأعيان" (3/ 193) ، و"السير" (17/ 234) ، وغيرها.
(2) ورد في حديثٍ شديد الضعف عند الطبراني (18/ 87) ، وأبي نعيم في"معرفة الصحابة" (5573) أن المتردِّي شهيد. ووردت الأخبار بشهادة الباقين من وجوهٍ صحاح. والبطن: داء البطن.
(3) انظر: (ص: 983) .