ولذلك [1] ترى فِراخَ كثيرٍ من الطَّير- كالدَّجاج، والدُّرَّاج، والقَبَج [2] - يَدْرُجُ ويَلْقُطُ حين يخرجُ من البيضة [3] .
وما كان منها ضعيفَ النُّهوض - كفِراخ الحمَام واليَمَام - أعطى سبحانه أمَّهاتها من فضل العطف [4] والشَّفقة والحنان ما تَمُجُّ به الطُّعْمَ في أفواه الفِراخ من حَواصِلها؛ فتَخْبَؤه في أعزِّ مكانٍ منها، ثمَّ تَسُوقُه من فِيها إلى أفواه الفِراخ، ولا يزالُ بها كذلك [5] حتى ينهض الفرخُ ويستقلَّ بنفسه، وذلك كلُّه من حظِّها وقَسْمِها الذي وَصَلَ إليها من الرَّحمة الواحدة من المئة [6] .
فإذا استقلَّ بنفسه وأمْكَنه الطَّيرانُ لم يَزَل به الأبوان يعالجانه أتمَّ معالجةٍ وألطفَها حتى يطيرَ من وَكْرِه، ويسترزق لنفسه، ويأكل من حيث يأكلان، وكأنهما لم يعرفاهُ ولا عرفهما قطُّ [7] ، بل يطردانه عن الوَكْر ولا يدعانه وأقواتهَما وبيتَهما، بل يقولان له بلسانٍ يَفْهَمُه: اتَّخِذ لك وَكْرًا وقُوتًا، فلا وَكْر لك عندنا ولا قُوت!
فسَلِ المعطِّل: أهذا كلُّه عن إهمال؟ ! ومن الذي ألهمها ذلك؟ ! ومن الذي عَطَّفها على الفِراخ وهي صغارٌ أحوجَ ما كانت إليها، ثمَّ سَلَبَ ذلك
(1) (ح، ت، ن، ض) :"وكذلك".
(2) الدُّرَّاج: ضرب من الطير على خِلْقة القَطا إلا أنه ألطف. والقبج: الحَجَل."اللسان". وسقط من (ح، ن) :"والقبج".
(3) (ر) :"حين ينقات عنها البيض". (ض) :"حين تنقاب عنها البيضة".
(4) (ن، ح) :"من فضله العطف".
(5) (ت) :"ولا يزال بها ذلك".
(6) كما في حديث أبي هريرة عند البخاري (6000) ، ومسلم (2752) .
(7) (ت) :"لم يعرفانها ولا عرفاه قط".