الصفحة 107 من 344

أما الخطر الثاني فيأتي لاحقا أي بعد أن يتم قمع المتطرفين، وهو الذي بدأ يظهر في نهاية التسعينات. ورغم أن ذلك الخطر ينبع هو الآخر من انهيار الأمل في التنمية والديمقراطية إلا أنه يعبر عن نفسه بالشكل العكسي أي السلبية والصبر المبالغ فيه. وهذا النوع من التدين يعني التخلي عن كل آمال الإصلاح في المجال العام؛ فالطاقات توجه إلى الممارسات الدينية الشكلية التي تزداد انفصا"عن الحياة الجماعية. وهي تصل إلى أسوأ صورها حين يختزل من يميلون لذلك الاتجاه أفكار المجتمع الإسلامي في طقوس بسيطة، وتعاويذ فارغة من أي مضمون اجتماعي أو قيم أعمق. وفي حين بدأ العقد الأخير من القرن العشرين بمخاوف من أن يحاصر العنف الحركة الإسلامية والأمة، فقد انتهى العقد نفسه في الاتجاه المعاكس والذي لا يقل ضررا، وهو خطر الانسحاب إلى العالم الخاص من التدين الذي تم تفريغه من محتواه. ومن داخل التيار الإسلامي، وقف الإسلاميون الجدد ضد هذين النوعين من التطرف، وواجهوا تشويه المتطرفين للإسلام من خلال رؤيتهم الوسطية للإصلاح القائمة على مشروع طويل الأجل للتحول الاجتماعي - السلمي والعميق معا - نحو بناء حياة قائمة على القيم الإنسانية للإسلام. ويلقي رد فعل الإسلاميين الجدد - إزاء أحداث عين شمس الضوء بوضوح على تقييمهم للأوضاع والسياسات التي تدفع نحو تلك الاستجابات المدمرة من جانب التيار الإسلامي. والأهم من ذلك، فإن الدور الذي لعبه الإسلاميون الجدد في أحداث عين شمس إنما يكشف بوضوح عن مفهوم الوسطية لطبيعة المجتمع الإسلامي الذي يمكنه أن يتخطى اليأس والقنوط الذي يعاني منه عامة المصريين."

ففي مواجهة عنف المتشددين في عين شمس في 1988، تحرك الغزالي بعزم مبينا هدفه بقوله) «لخدمة ديني والقيام بواجبي إزاء الدين الإسلامي الأصيل عبر إدانة الجهلة من الدعاة البعيدين عن روح الإسلام ودعوته الحقة» . وبينما أدان الغزالي سلوك جماعات العنف والذين يشجعونهم، فإنه دعا -أيضا- إلى إصلاح جدي من جانب الحكومة، ووضع نهاية للقمع الرسمي العشوائي، وأعلن «أنا لست من شيوخ السلطة أو الشرطة» . وحين يواجه الإسلاميون الجدد بالعنف الإجرامي من جانب الشباب المتطرف خدمة لقراءة مشوهة وخطرة للإسلام، فإنهم ينحازون إلى صف الحكومة ولكنهم يفعلون ذلك من على أرضية مستقلة، ومن خلال رؤية وسطية متميزة للمجتمع السياسي الإسلامي الذي لم يتحقق بعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت