يتوسط هذين النقيضين في العالم العربي والإسلامي. ويرفض تيار الاعتدال الإسلامي سلبية الانعزاليين، ويدعو إلى إعادة تشكيل المجتمع على أسس إسلامية. ولكنه في ذلك يرفض بشكل قطعي أساليب العنف باعتبارها لا تتناسب مع الأهداف التي يسعون إلى تحقيقها. وتجسد أفكارهم بشأن كل من الوسائل والغابات، القيم الجوهرية للإسلام خاصة قيمة العدل. فهم يؤمنون بأن التحولات التي يريدونها ينبغي أن تتسق في وسائلها وغاياتها مع المقاصد العليا للإسلام في كافة مراحلها.
وتيار الوسطية الإسلامي - الذي تنبع جذوره من أعمال رواد التجديد في القرن التاسع عشر کمحمد عبده - وجد أكثر أشكال التعبير عنه استمرارية في تنظيم الإخوان المسلمين الذي أسسه حسن البنا في 1928. وقد استمدت جماعة الإخوان المسلمين قوتها الشعبية من الطبقة الوسطى خصوصأ شريحتها الدنيا. وبحلول منتصف القرن العشرين كانت الجماعة قد جذبت حوالي المليون من آمنوا بمشروعها للتجديد الإسلامي في مواجهة الأفول والتدهور. نکن الصراع مع حركة الضباط الأحرار بزعامة جمال عبد الناصر التي تولت الحكم في 1952 أدى إلى قمع الإخوان منذ منتصف الخمسينات، ثم إلى انحسار حركتهم شبه الكامل لعقود عدة.
غير أن السادات أفرج في أوائل السبعينات عن سجناء الإخوان وشجع أنشطتهم بشكل غير مباشر من أجل إحداث قدر من التوازن مع خصومه في المسار. ورغم تلك النية الواضحة في استخدامهم، يظل من الخطأ اعتبار صعود الإخوان مجرد نتيجة للمناورات الحكومية؛ فالنجاحات غير المتوقعة لهم منذ عودتهم في الثمانينات إنما تعود في المقام الأول إلى الجاذبية الحقيقية التي تتمتع بها رؤيتهم العامة إزاء التجديد الإسلامي. وكان الميلاد الجديد للحركة بمثابة فصل محوري من فصول قصة عودة الدين في شتى أنحاء العالم والتأكيد على دوره. ورغم أن أقلية هامشية عنيفة في حركة الإخوان تبنت منهج التطرف أثناء سنوات القمع، إلا أن التيار الأساسي السائد في الحركة احتفظ بموقع لا يمكن إنكاره في الحياة العامة والمدنية بناء على استراتيجية واعية من جانب الجماعة هدفت إلى التكيف مع النظام وقدمت برنامجا للتغيير الاجتماعي السلمي. وظلت الحيوية المتجددة للإخوان بمثابة دليل على أهمية التجديد الإسلامي للتعامل مع قضايا العالم المعاصر.
والإخوان هي الحركة التي خرج من رحمها تيار الإسلاميين الجدد كقوة تقدمية ومستقلة تشكلت کرد فعل لقصور وإخفاقات الإخوان ونجاحها في آن واحد. ومع