الصفحة 206 من 344

العناصر الثلاثة على نحو لا يميز بينها، ويدرك الأوزان المختلفة، وحجبة كل منها؛ فالإسلام السياسي يعتمد على نماذج تاريخية فاسدة أو غير مناسبة وعلى فهم مغلوط للنصوص.

ويصر الإسلاميون الجدد على أن النصوص وحدها هي الملزمة للمسلمين؛ فلا هم ملزمون بتفسيرات بعينها لتلك النصوص، ولا هم مقيدون بالخبرات التاريخية للمسلمين. بل يوضحون أن نصوص القرآن والسنة التي تتعلق بالحكم السياسي محدودة العدد، وبالغة العمومية، تشير في الأغلب إلى قيم وأهداف، لا إلى وسائل وهياكل. وبذلك المنطق يصلون إلى نتيجة واضحة مؤداها أن الإسلام من وجهة نظرهم لا يحدد نظاما سياسيا بعينه للحكم تفرضه النصوص. والإسلام السياسي يزعم عكس ذلك؛ إذ يؤكد أنصاره على نماذج بعينها باعتبارها «إسلامية. ويرفض الإسلاميون الجدد قطعيا ذلك الزعم؛ فمن وجهة نظرهم فإن كل التفاصيل المؤسسية المتعلقة بالمفاهيم والنماذج التي يطرحها الإسلام السياسي مستقاة أساسا من تفسيرات مشوهة للنصوص، أو مأخوذة عن مرحلة تاريخية بعينها لا عن النصوص نفسها. ويتضمن ذلك -أيضا- الفهم المشوه لدى الإسلام السياسي لمعنى الحاكمية، وهو الفهم الذي يعتبر أن السلطة المطلقة للرموز الدينية أمر مقبول في إطار دولة دينية، ويعتبر نظام الخلافة أو الولاية النموذج المثالي في العصر الحديث. ومن أجل دحض تلك الأفكار، يقول الإسلاميون الجدد إن الإسلام أو يرفض قطعية إضفاء القداسة على أي شكل بعينه من أشكال الحكم أو القيادة. وبحجية فكرية لا يوازيهم فيها الكثيرون، يذهب الإسلاميون الجدد إلى ما هو أبعد من ذلك؛ حيث يقوضون من الناحية الفكرية كل الجهود التي تسعى لإيجاد أساس في الإسلام لاستبداد أي مشروع سياسي مستقبلي، ويؤكدون على أنه في هذا العصر مثله مثل كل العصور التي سبقته- لا ينبغي التقيد في المسائل السياسية بالتفسيرات السابقة للنصوص، ولا بنموذج بعينه لترتيبات سياسية تم تبنيها من جانب الأجيال السابقة؛ فمن وجهة نظرهم، لا بد لكل عصر من فقهه السياسي الخاص. وعلى هذا الأساس، يدافعون بثقة عن الفقه السياسي الجديد الذي يقدمونه، ويفننون الدعاوى السياسية المغلوطة التي يتبناها الإسلام السياسي بوضوح وقوة.

وقد كتب الغزالي واصفا ما يقدمه أولئك الشيوخ الذين يصوغون أحلام الإسلام السياسي وكوابيسه بأنه «أوهام مضحكة. وقد رفض صورة أولئك الأئمة المزهوين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت