الصفحة 211 من 344

الاجتهاد للاليات الديمقراطية عند الاختيار بينها (34)

وبدلا من اليقينيات المضللة والجامدة التي يقدمها الإسلام السياسي، يقدم الإسلاميون الجدد نتاج مشروعهم التفسيري کاجتهادات أولية خاضعة للاختبار والمراجعة. وهم يبحثون من خلال عملهم عن آفاق تحقيق العدل عبر سبل ديمقراطية في مجتمع حديث؛ فلا توجد في الإسلام نماذج جاهزة قررها الله لكل زمان ومكان من أجل تحقيق العدل. وفي تحديهم لمواقف الإسلام السياسي، يقدمون تفسيراتهم البديلة باعتبارها تمثل لا فقط فهما أكثر دقة للنص وإنما باعتبارها -أيضا- نقلة جديدة في تطور الفكر السياسي للوسطية الإسلامية يناسب حاجات عصر العولمة. وهم يقدمون قراءة انتقائية لفكر المفكرين الإسلاميين السابقين بدءا بالأفغاني وعبده، ومرورا بحسن البنا، ووصولا إلى المعاصرين. فهي قراءة تنتقي المنحى الديمقراطي في ذلك كله، مثل الكفاح من أجل التحرر من الظلم الخارجي، والإصرار على الحكم المدني لا الديني، والالتزام بالإصلاح التدريجي السلمي، والعمل من أجل مشاركة واسعة في الحياة السياسية، ووضع قيود فعالة للسلطة الحاكمة. وقد أسهمت تلك العناصر الواعدة في فكر السابقين في توجيه اجتهاد الإسلاميين الجدد نحو السعي إلى مزيد من التطوير للرؤية الإسلامية حتى تقوم على أساس سياسي ديمقراطي يهدف إلى تحقيق العدل. ورغم أنهم على وعي كامل بموقع اجتهادهم في إطار الفكر السياسي الإسلامي حول العدل والديمقراطية إلا أنهم قد طورا فكرهم عبر اهتمام قوي بالظروف السياسية الخاصة بعصرهم؛ فرغم اعترافهم بإسهامات مؤسسي الوسطية، فإنهم يدركون أن حكمة أولئك الرواد الأوائل كانت مناسبة لعصرهم، وأن الكلمة الأخيرة بشأن علاقة الإسلام والديمقراطية في عصر العولمة لا يجوز أن تكون الأولئك الأسبقين. ومن ثم فإن الفقه الجديد للنص الذي طوروه يأتي مصاحبة لفقه

جديد للواقع لا يقل أهمية. وقد أدى وعي الإسلاميين الجدد الواقعي بظروف الحاضر وآفاقه الديمقراطية في إطار إسلامي إلى الإسهام بدرجة كبيرة في إضفاء الحيوية على أفكارهم السياسية في ظروف سياسية متغيرة وغير مواتية في كثير من الأحيان خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين.

فقه الواقع، التنظير للوسط السياسي

السياق التاريخي مهم عند الإسلاميين الجدد؛ فالفكر السياسي من وجهة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت