الصفحة 247 من 344

المستلهمة من الغرب والمبنية على أسس مادية. وهم يرون أن مثل تلك المشروعات لن تصمد أمام تحديات العصر؛ فهم يرون في الولايات المتحدة غطرسة القوة نفسها واللجوء إلى السلوك الابتزازي واللاأخلاقي نفسه الذي أضعف الاتحاد السوفيتي وأنهکه. ورغم أنهم يقدرون التقدم التكنولوجي والعلمي للأمريكيين إلا أن الاستهلاكية الأمريكية تنفرهم، ولا ينظرون بإعجاب للقوة التي لا رادع لها وللثروة التي تقوض الديمقراطية، وتفرغ القيم من محتواها، وتؤدي لابتذال الثقافة. وهم يرون في الصعود العالمي للدين وفي مقدمته الإسلام مؤشرا قويا يدل على تغييرات قادمة. ويثق الإسلاميون الجدد بأن المشروع الإسلامي الوسطي الذي يتطلع للاستعداد للمستقبل يقدم للمصريين وللمسلمين بل وللبشرية كلها بديلا جذابا فيما يتعلق بكيفية العيش في عصر العولمة.

كانت القاعة الرئيسية المتواضعة في نقابة الأطباء وسط القاهرة هي الساحة لتلك الدعوة إلى التفكير والعمل بواقعية وثقة انطلاقا من المشروع الحضاري الإسلامي. والنقابة، التي عرفت في الثمانينات والتسعينات باعتبارها قلعة للنفوذ الإسلامي وساحة هامة من ساحات المجتمع المدني المصري، كانت قد استضافت سلسلة من الحوارات والمناقشات في منتصف التسعينيات تناولت مستقبل المجتمعات الإسلامية في القرن الحادي والعشرين. وكانت مكانة القرضاوي - كعلامة في الفقه يتخطى نفوذه الحدود المصرية - كافية حتى تمتلى القاعة عن آخرها بالشباب في تلك الأمسية الحارة في أغسطس 1995. وقد تم الاستعانة بمقاعد إضافية للمزيد من القادمين لحضور اللقاء، وهم الذين كانوا في أغلبيتهم الساحقة من الشباب الذكور في العشرينيات من العمر، بما في ذلك عدد معتبر من غير المصريين الذين نمت الهجاتهم وملابسهم عن أنهم طلاب في الجامعات المصرية أتوا من بلدان كالسودان وماليزيا.

كيف يجتذب القرضاوي بفاعلية فائقة الشباب في العالم الإسلامي وهو يحدثهم عن الدور الذي ينبغي عليهم الاضطلاع به في مستقبل لم تتضح معالمه بعد؟ كانت هيئة القرضاوي عند دخوله القاعة تعكس رصانة وثقة في آن معا. ثم جاءت الكلمات المحسوبة التي تم تقديمه بها لتكشف عن احترام يؤكد على أن القاعة على وشك الاستماع إلى أكاديمي بارز، يخاطب شبابا يعتبرون أنفسهم - ومن واقع تأثير كتاباته عليهم- في حكم تلاميذه. وقد تحدث القرضاوي معبرة عن الضعف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت