الصفحة 318 من 344

الشخصيات المحورية في هذه المدرسة لا تتفق اتفاقا كاملا بشأن كل القضايا الداخلية والخارجية، ولا هم يسعون إلى مثل ذلك الاتفاق. ورغم ذلك فإن التزامهم المشترك ومشروعاتهم الجماعية تمكننا من تمييزهم کمجموعة، بينما تظل اختلافاتهم تميزهم كأفراد وشخصيات متميزة تماما كما تميز بين أفراد الأسرة الواحدة. ففهمي هويدي الذي لاتدل هيئته على حجم انغماسه في قضايا السياسة الخارجية وفهمه لها يختلف كثيرا عن الشيخ الراحل محمد الغزالي الذي كان بدفئه وشخصيته الكارزمية يهيمن بلا أي جهد على أي لقاء جماعي يحضره، رغم أن اهتمامه كان في الأغلب منصبا على حاجات وهموم المصريين. أما القرضاوي فهو يعطي انطباع الفقيه والمفكر بالمعنى الإسلامي التقليدي، وفي المقابل يبدو كمال أبو المجد وسليم العوا وطارق البشري رموزا حضرية وعالمية، الأول مارس دولي للمحاماة، وأستاذ للقانون الدولي، ومستشار للحكومات، ووزير سابق، والثاني -أيضا- أستاذ معروف للقانون کتب باقتدار عن أكثر القضايا القانونية والأخلاقية تعقيدا، والثالث رجل قانون ذو تاريخ مشرف کواحد من أكثر تضاة مصر احتراما، فضلا عن كونه مؤرخا ذا سجل يشار إليه بالبنان. والقرضاوي ذو نفوذ في إطار الحركة الإسلامية عابرة القوميات. بينما يكتب هويدي بمهارة ونشاط للجمهور العربي والإسلامي، في حين يمتلك أبو المجد والعوا والبشري مفردات خطاب تجعل رسالة الإسلاميين الجدد أكثر نفاذ إلى العالم العلماني على اتساعه.

ورغم كل تلك الاختلافات في الأسلوب، والجمهور، وزاوية التركيز، إلا أن أولئك المفكرين الإسلاميين يشكلون مع مدرسة الإسلام الوسطى، وهم يتحدثون إلى بعضهم البعض بلغة يثريها ذلك الفهم المشترك، وهم يقرؤون لبعضهم البعض بانتظام، ويشيرون إلى أعمال بعضهم البعض، ويصوغون معا مواقف بشأن قضايا معقدة، ويعمل بعضهم أحيانا بشكل مشترك في الفضاء العام. ومن ثم فإن هوية الإسلاميين الجدد تبرز من خلال ذلك التفاعل المبدع والمرن بين ما ينفقون وما يختلفون عليه. وهم يسعون إلى حل تلك الاختلافات إذا ما كان هناك حاجة لذلك عبر الاتفاق على التركيز على ما يتفقون عليه، واحترام الاختلاف الذي لم يتم تخطيه بعد. ومن خلال جهودهم المشتركة في ظروف سياسية صعبة ينجحون في اتخاذ مواقف عامة حقيقية تترك بصمتها التي توضح نوع المجتمع الذي يرتؤونه، والوسائل التي يسعون لاستخدامها للحقيقة. إن هذه الصورة التي رسمتها توضح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت