الصفحة 317 من 344

الدقيق والمرن لهذا المفهوم، بمعنى أنهم يقفون بين أولئك البائسين الذين يعتبرون أن مشروع الإسلام الحضاري المتميز مستحيل التحقق، والجهلاء الذين هم عادة من المتحمسين إلى حد الهوس الذين يشوهون ذلك المشروع، ويقدمون رؤية بالغة التبسيط للمسار الصعب اللازم لتحقيقه. وكما يقول فهمي هويدي: «إن الممارسة في الإسلام ليست بالبساطة التي يتصورها البعض. فالاعتقاد بأن إقامة المجتمع الإسلامي لاتحتاج إلا إلى مجرد اتخاذ قرار أو صدور القانون أو حتى تطبيق مجموعة من التشريعات إنما هو تبسيط مخجل. فمثل ذلك الهدف النبيل يتطلب عملا جادة ومستمرا يحتاج إلى مناخ ملائم يساعد البذور على أن تثمر إلى أن يأتي الحصاد في موعده. بل أكثر من ذلك، يخطئ القارئ إذا ما فهم مما سبق أن «الحل الإسلامي» جاهز ينتظر فقط أن نصوغه ونوافق عليه. فما أردت أن أقوله هو أن ذلك الحل «ممكن» > إذا ما كان العمل جادا. وهذا الحل ليس قاصر» كما يزعم البعض، ولا هو مستحيل» كما يراد لنا أن نتصور (8)

ورغم أن هدفهم النهائي بهذا المعني راديکالي إلا أن الإسلاميين الجدد لا يتنازلون عن المسار التدريجي السلمي لبلوغ ذلك الهدف؛ فالتدرج الواعي والقائم على العمل الجاد الذي يتبنونه يهدف إلى مواجهة الظروف المستجدة بالإبداع وإعادة التشكيل والإحياء. وفي كل جهودهم المشتركة يسعون لتجسيد رؤيتهم من خلال ما هو موجود بالفعل من ترتيبات وهياكل اجتماعية، أو من خلال إعادة إنتاجها. وهم يبنون على ما تم إنجازه لا تدمير ما هو موجود والسعي إلى بداية جديدة، كما يريد المتطرفون. وكلما أمكن يدعمون الحوار السلمي والوصول إلى رؤى توفيقية من أجل دفع مشروعهم للأمام. ويبدو الطابع البشري لجهودهم واضحا في قدرتهم الواضحة على تأمل الذات ونقدها، وهو ما يميز ممارسة الإسلاميين الجدد الاجتماعية؛ فالإسلاميون الجدد يدركون بل ويعترفون بأن أعمالهم رغم أنها تستلهم رؤية الرسول النوع المجتمع الذي يناسب البشرية إلا أن رؤيتهم تظل قاصرة قصور كل البشر في الفهم والحكمة. ومن ثم فإن تقدم كل مجتمع إسلامي في هذا العالم سوف يعكس دائما خصوصية الفرص المتاحة، وحكمة أولئك الذين يسعون إلى تشكيله.

ورغم أن هناك إيمانات مشتركة يجتمعون عليها - فضلا عن اتفاقهم على الاستراتيجية طويلة الأجل التي تنبع من ذلك إلا أن الإسلاميين الجدد ليسوا شيئا واحدة في حضورهم في الحياة العامة؛ فكما اتضح من الفصول السابقة فإن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت