بتلك التطورات المحورية في الأعوام الأولى للقرن الجديد إنما تعكس مواقف طوروها عبر عقود عدة من البحوث والمداخلات العامة النشطة. وهي تشير إلى جهود الإسلاميين الجدد المستمرة في ظروف بالغة الصعوبة لتقديم نموذج وسطي المجتمع اسلامي سياسي في مصر وخلق موقع لمصر في الساحة العالمية.
وترتكز العقيدة المحركة للإسلاميين الجدد على أساس إيمانهم بأن القرآن والسنة يقدمان الإلهام الروحي الذي يمكن من خلاله تقديم رؤية إسلامية متميزة للمجتمع البشري. إلا أن أولئك الإسلاميين في رؤيتهم لذلك المجتمع يختلفون اختلافا حادا مع المتشددين من خلال رفضهم بناء ترتيبات اجتماعية معقدة على أساس شظايا رمزية تم اقتطاعها من قصة الإسلام مثل النقاب أو حديث نبوي واحد. ولا هم يقبلون فكرة الترشيد حين تختزل نفسها في تكرار شعارات جوفاء الإسلام هو الحل، أو الإدعاء من جانب فرد أو جماعة بأنهم وحدهم أصحاب الحق في الاجتهاد، أو أن اجتهادهم له قدسية لا يجوز مساءلته. وفوق كل شيء يقاوم الإسلاميون الجدد التقليد الجامد لنماذج من عصور سابقة لا تمثل إلا اجتهادات بشرية سعت إلى تنزيل القرآن والسنة على أرض الواقع. وبالحسم نفسه يرفضون التقليد الأعمى لخبرات الأخرين.
وبدلا من ذلك يعكف الإسلاميون الجدد على المهام الصعبة المتعلقة بالاجتهاد في فهم الوحي في ظروف عصرهم ومكانهم، وينتقون من التراث، ويستعيرون من الأخرين بناء على حاجات العصر وظروفه. وهم يطالبون بأن يظل أي اجتهاد- بما في ذلك اجتهاداتهم- مفتوحا للمناقشة من جانب اجتهادات وتفسيرات أخرى، ويصرون على أن كل تلك المحاولات لفهم الإسلام لابد وأن يتم تقييمها لا فقط في ضوء النصوص وإنما أيضا من خلال إدراك براجماتي لواقع العالم الحقيقي الذي ينبغي أن يحيا فيه الإيمان.
ومن ثم يكافح الإسلاميون الجدد من أجل إيجاد هياكل ذات طابع أخلاقي واجتماعي وفكري في آن معا. وتتطلب جهودهم مراجعة عميقة للمكونات المحورية للتراث الإسلامي، وإعادة بناء تدريجية للعالم الاجتماعي. وكمفکرين وفاعلين اجتماعيين فإنهم يتميزون بحس عال إزاء قيود السباق الاجتماعي، دون أن يؤدي بهم ذلك للصمت الذي يميز الانهزامية الثقافية، ولا إلى النشاط المتعجل والمبالغ فيه الذي يؤدي بالضرورة إلى عنف مدمر. ويظل الإسلاميون الجدد وسطيين بالمعنى