الصفحة 41 من 344

أزمة حقيقية (9) . ففي خريف 1997 نشرت الصحف خبرا عن ثلاث فتيات من أسر فقيرة أقدمن على الانتحار للهرب من الأوضاع البائسة في مدرستهن الابتدائية. فأباؤهن عاجزون عن تسديد مصروفات المدرسة بل ونفقات الدروس الخصوصية التي يحثهم عليها المدرسون. وقد فضلت الفتيات الموت على العزلة والفشل المؤكد الذي اتضح لهن أنه سيكون في انتظارهن. ومن بين ثنايا القصة، رأي هويدي التدهور الخطير في التعليم في مصر، ولمس شعورة واسعة باليأس من الإصلاح؛ حيث لم يكن للناس رد فعل قوي إزاء الواقعة.

ففي الوقت الذي تستعد فيه مصر لدخول القرن الى 21، يحاصر التعليم مجموعة من المشكلات على كافة المستويات، فمن الواضح أن الإنجازات التي كانت قد تحققت في عهد الثورة الناصرية في مجال التعليم وغيره من مجالات الخدمات الاجتماعية قد تم تفريغها من محتواها؛ ففي الخمسينات والستينات، أقر الضباط الأحرار التعليم المجاني ليس في المرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية فقط وإنما أيضا في مرحلة التعليم الجامعي. وكان المستفيد الرئيسي من ذلك هو الأسر المصرية التي تنتمي للطبقتين الوسطى والوسطى الدنيا. وبدا أن التعليم هو المسار الذي سلكته تلك الطبقات نحو الحراك الاجتماعي. وقد تضاعفت أعداد المدارس الابتدائية والثانوية في تلك الفترة وهو الأمر الذي يصدق أيضا على التعليم الجامعي حيث تم التوسع فيه، وإن كان بدرجة أكبر. وبالإضافة لذلك فقد كان خريجو الجامعات يضمنون الحصول على وظائف في القطاع العام، الأمر الذي جعل شهاداتهم هي جواز مرورهم نحو حياة أفضل. وقد اعتمد الاقتصاد السياسي - في الإبقاء على تلك الإصلاحات - على تأميم متلكات الشرائح الأعلى بمن في ذلك الأجانب. وقد ساعد على ذلك استثمار عبدالناصر القوى والفاعل في السياسة الخارجية الأمر الذي جلب لمصر مساعدات خارجية من كلا الدولتين العظميين في عالم ثنائي القطبية.

لكن السادات غير المسار؛ فكاستجابة لمؤشرات انكسار الاتحاد السوفيتي، تم التحول من الميل نحو الاتحاد السوفيتي والتوجه الاشتراكي إلى الميل نحو الولايات المتحدة الصاعدة والاقتصاد الحر. وقد نتج عن ذلك التحول اهتمام أقل بالاحتياجات الاجتماعية للطبقات الأفقر في مصر والعودة إلى منطق الامتيازات. ولكن لفترة من الزمن، أرجأت الأرباح غير المتوقعة القادمة من مصادر خارجية خاصة البترول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت