ولم تمنع تلك الاتهامات التي أطلقها المتشددون الفرحة التي عمت مصر عند حصول محفوظ على جائزة نوبل. ولأن الكثير من روايات محفوظ وقصصه القصيرة كانت قد تحولت إلى أفلام سينمائية، فإن أعماله كانت معروفة على نطاق واسع وتحظى بالإعجاب. وبالنسبة لشعب يستحق ما هو أكثر من أن يكون مجرد رمز للزيادة السكانية أو مشكلات التنمية، وما هو أفضل من أن يكون أبناؤه مجرد رعايا الحكومة فاسدة وغير فاعلة، فقد أدى الاعتراف الدولي بأديب مصري إلى نشوة وطنية ندرت مثلها في الثمانينات والتسعينات.
أما محفوظ نفسه، فقد اختار أن يولي الاحتفالات والتهديدات أقل الاهتمام الممكن. وبما هو معروف عنه من تواضع، قام محفوظ بهدوء بتحويل طوفان الاهتمام بشخصه إلى قنوات عامة أكثر فائدة، وتجاهل تهديدات المتطرفين؛ فقد رفض السماح للشهرة أو الخوف بتغيير نمط حياته المتواضع والملتصق بشدة بمدينة القاهرة وأهلها؛ فتم توجيه جزء كبير من قيمة الجائزة بهدوء إلى الفقراء. وحافظ الأديب على وجود عام متواضع من خلال مقال أسبوعي قصير للأهرام، يناقش من خلاله أهم قضايا الحياة العامة. وحينما طلب من محفوظ أن يعلق على فتوي عمر عبد الرحمن ضده، کتب يعلن أن حياته اليومية لن تتغير، فقوة القلم أقوى من قوة الرصاص. والسيف والطلقات العشوائية لا يمكنها أبدا أن تغتال الأقلام الجريئة». وحين رفض محفوظ الحراسة، أضاف أنه لن يعيش «مرتعشة ترتجف يداه من الخوف» . وبتواضعه المعروف، قال محفوظ: «كيف لي أن أفرض على المكلف بحراستي سيري المعتاد على الأقدام في وسط القاهرة في الرابعة صباحأ (5)
ومن هنا فقد وجد سكين الاغتيال هدفا سهلا حين أقدم على فريسته في 1994. كان محفوظ ينتظر أمام منزله في سيارة مفتوحة نافذتها وبصحبة صديق شخصي، كانا معا في طريقهما إلى اجتماعهما الأدبي الأسبوعي حين غرس المجرم السكين في عنق الكاتب الكبير الذي وصف الحادث بقوله: «كان الأمر وكأن وحشا عنيفة غير آدمي قد هاجمني بكراهية لا حدود لها، رغم كبر سني وعجزي عن الدفاع عن نفسي» . كان المجرم قد ألقي بنصف جسده العلوي كله إلى داخل السيارة، فمنع الضحية من الهروب من طعناته، ومن التعرف بدقة على ملامح وجهه (6) . ولكن محفوظ نجا على أية حال حيث تم نقله فورا إلى مستشفى قريب، وصارع من أجل الشفاء، بينما مصر تصارع هي الأخرى للتعامل مع تلك الجريمة البشعة.