في ذلك اللقاء في شكل ندوة تليفزيونية، لكن محفوظ اعتذر مشفقا على نفسه من فتح باب الأحاديث التليفزيونية. وبدلا من ذلك، وفي لمحة تعكس ثقة كبيرة في (أبو المجد) ، اقترح محفوظ أن يکتب کمال أبو المجد الحوار الذي دار كما هو
ووافق كمال أبو المجد، ونشر فعلا مقالا بالأهرام لخص فيه اللقاء، وشرح أنه نشر بموافقة من محفوظ، ومعبرا عن أفكار قالها في حضور ثلاثة ضيوف آخرين. وقد اعتبر أبو المجد مقاله شهادة «أرجو أن أدرأ بها عن كتابات نجيب محفوظ سوء فهم الذين يتعجلون الأحكام ويتسرعون في الاتهام، وينسون أن الإسلام نفسه قد أدرج كثيرا من الظنون السيئة فيما دعا إلى اجتنابه من الآثام،. وتمنى أبو المجد - أيضأ - أن تحرر هذه الشهادة أدب نجيب محفوظ من أولئك الذين يصرون على أن يقرأوا في أدب محفوظ ما يدور في رؤوسهم هم من أفكار، وما يتمنون أن يجدوه في تلك الكتابات مانحين أنفسهم قوامة لا يملكها أحد على أحد، ناهيك عن أن يملكها أحد منهم على كاتب له في دنيا الكتابة والأدب ما لنجيب محفوظ من القدم الثابتة والتجربة الغنية والموهبة الفذة التي أنعم بها عليه الله.
ولم يأت الاعتداء على الأديب الكبير من فراغ؛ ففي سياق التحقيقات الرسمية، قدم محفوظ نفسه تحليلا مهما لمن كان وراء الاعتداء؛ فحين سأله المحققون عما إذا كان قد تعرف على المعتدي، نفي محفوظ ولكنه أضاف إلى إجابته ملاحظة مذهلة، حين قال إنه رغم أنه لا يعرفه «إلا أنني عرفت من هوه. فوجهه بحمل علامات الفقر والجهل، أما روحه فقد شلها فقدان الفرصة وضياع الحلم. ولم تؤد محاولته للتمرد على تلك الظروف إلا للوقوع في براثن أمراء الجماعات المتطرفة الذين شرحوا ذلك الوضع البائس من خلال أفكار مشوهة عن الإسلام بما في ذلك الإدانة الشاملة للفنون. وأشار محفوظ إلى أن الشاب الذي حاول قتله لم يقرأ حتى روايته؛ فقد كان ينفذ أوامر تلقاها من أمير جماعته. ورأي محفوظ أن ذلك الشاب قد وقع ضحية المعركة بين العناصر المتطرفة التي اختطفت مثالية شباب مصر والنظام الذي فشل في إنقاذهم. وبالنسبة لمحفوظ، فإن ذلك الشاب الذي حاول قتله ما هو إلا أحد أبناء الجيل الضائع من شباب مصر» . وعلق في أسي قائلا: «إن شباب اليوم كلهم مثل من اعتدى على: جيل کامل تم تجاهله وإهماله، (23)
إن الفن نفسه- بل والأفكار المتعلقة به - إنما ينبع من الأوضاع الاجتماعية
التي نشأ فيها؛ إذ يمكن قراءة الفن كتعبير عن خصوصية تلك الأوضاع والمشاعر التي