الصفحة 128 من 350

عام 2050 أو ربما قبل ذلك، سوف تكون المعرفة الحقيقية باللغة القديمة قد تلاشت، وسيكون كل التراث الأدبي القديم قد اندثر. وأما أعمال تشوسر وشكسبير وملتون و بايرون فلن يكون لها وجود إلا عبر تراجم اللغة الجديدة، ولن يقف التغيير الذي سيلحق بها عند مجرد جعلها تختلف عما كانت عليه، بل ستتحول إلى نقيض ما اعتاده الناس. وحتى أدبيات الحزب ستتغير، وشعاراته ستبدل. إذ كيف يمكن أن تتبنى شعارا مثل «الحرية هي العبودية، فيما يكون مفهوم الحرية نفسه قد جرى نسفه؟ إن المناخ الفكري سيكون كله قد تغير. وفي الحقيقة لن يكون هنالك

تفكيره على النحو الذي نفهمه الآن، فالولاء يعني انعدام التفكير، بل انعدام الحاجة للتفكير. الولاء هو عدم الوعي.

وفجأة وبقناعة راسخة فكر ونستون أن سايم لا بد وستتم تصفيته يوما ما. إنه متوقد الذكاء. إنه يرى ببصيرة نافذة ويتحدث بصراحة شديدة. والحزب لا يرغب في وجود مثل هؤلاء. يوما ما سيختفي من الوجود، ذلك ما أراه مكتوبة على جبينه.

بعدما أنهى ونستون ما كان بين يديه من خبز وجبن، استدار جانبا وهو على كرسيه ليحتسي قهوته. وعلى الطاولة الواقعة عن يساره ما زال الرجل ذو الصوت الصاخب يتكلم دون رادع أو وازع. وكانت تجلس إلى جواره فتاة شابة، ربما تكون سكرتيرته، وظهرها إلى ونستون. كانت تصغي إليه ويبدو عليها أنها توافقه بحماس على كل ما يقوله. وبين الفينة والأخرى كان ونستون يلتقط بعض ما تتلفظ به الفتاة من عبارات مثل أعتقد أنك محق تماما، إنني أتفق معك كلية» كانت تقولها بصوت أنثوي سخيف وحي. لكن الصوت الآخر لم يتوقف عن الكلام ولو لحظة واحدة، حتى عندما كانت تتكلم الفتاة. كان ونستون يعرف هذا الرجل، لكنه لا يعرف عنه أكثر من أنه يشغل منصبا هاما في دائرة الإثارة.

كان يناهز الثلاثين من العمر، ذا رقبة قوية العضلات وفم واسع كثير الحركة، كان من عادته أن يلقي برأسه إلى الوراء قليلا وهو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت