الصفحة 130 من 350

يتحدث. وبسبب الزاوية التي يأخذها أثناء جلسته كانت النظارتان تلتقطان الضوء وتعكسانه شعاعة باتجاه ونستون مما جعله يرى عينيه كأنهما مجرد عدستين. ولكن المزعج في الأمر أنه كان من المستحيل تقريبا أن تميز كلمة واحدة من بين ذلك السيل من الكلمات المتدفقة من فمه، ومرة واحدة فقط تمكن ونستون من النقاط جملة - الإبادة تامة ونهائية الغولدشتاين» - قبلت على نحو سريع جدا. وأما بقية كلامه فقد كان مجرد ضجيج وجعجعة. وبالرغم من أنك لم تكن تستطيع فعلية أن تميز ما يقوله الرجل، فإنك لن تكون في ريب من طبيعته العامة. ربما كان يهاجم غولدشتاين ويطالب باتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد مجرمي الفكر والمخربين، وربما كان يندد بالفظائع التي ارتكبها الجيش الأوراسي، وربما كان يثني على الأخ الكبير أو المقاتلين الأبطال على

جبهة مالابار، إذ ليس هنالك من فرق. وأيا كان حديثه، فإن ما يمكن أن تكون على يقين منه هو أن كل كلمة من حديثه كانت تنبع من ولاء خالص لمبادئ الانجسوك الصحيحة. وفيما كان ونستون يراقب ذلك الوجه الخالي من العينين، والفكين المتحركين إلى أسفل وأعلى، أحس ونستون شعور غريبة وهو أن هذا الذي يراه ليس إنسانة حقيقية وإنما نوع من الدمية؛ إذ لم يكن عقله هو الذي يتكلم، بل حنجرته، ولم يكن ما ينطق به حديثة بالمعنى الحقيقي، بل ألفاظة معزولة وصخبا يصدر عن حالة من اللاوعي وأشبه بصوت بطة.

خيم الصمت على سايم لحظة من الزمن، وبملعقته كان يتتبع البقايا الموجودة في طبق الحساء، فيما واصل الصوت القادم من الطاولة الأخرى الجعجعة بسرعة وكان يسمعه ونستون بسهولة رغم كل الضجيج الذي تعج به القاعة.

وهنا تدخل ونستون قائلا: هناك كلمة في اللغة الجديدة لا ادري ما إذا كنت تعرفها، إنها ديوقوق، أي يجعجع مثل البطة. إنها واحدة من هاتيك الكلمات المثيرة التي تحمل معنيين متناقضين، فإن نعت بها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت